إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)









أمن البحـــر الأحمــر

ملحق

لجنة حقوق الإنسان

الدورة السابعة والخمسون

البند 8 من جدول الأعمال المؤقت

مسألة انتهاك حقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة، بما فيها فلسطين

تقرير لجنة التحقيق بشأن حقوق الإنسان، المنشأة عملاً بقرار اللجنة

دإ-5/1 المؤرخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 2000

أولاً: مقدمة

1. في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2000، اتخذت لجنة حقوق الإنسان القرار دإ-5/1، وبه أنشأت لجنة للتحقيق، بشأن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد 28 سبتمبر 2000، وموافاة لجنة حقوق الإنسان باستنتاجاتها وتوصياتها. وعملاً بهذا القرار، أنشئت في 2 يناير 2001 لجنة للتحقيق بشأن حقوق الإنسان، تتألف من البروفيسور جون دوغارد (جنوب أفريقيا)، والدكتور كمال حسين (بنجلاديش)، والبروفيسور ريتشارد فوك (الولايات المتحدة الأمريكية). وفي البداية، كان كل من البروفيسور دوغارد والدكتور حسين رئيساً مشاركاً للجنة، ولكن عُين البروفيسور دوغارد، في أثناء زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، رئيساً للجنة.

2. وعقدت لجنة التحقيق بشأن حقوق الإنسان (اللجنة)، اجتماعها الأول، في جنيف في الفترة من 14 إلى 16 كانون الثاني/يناير 2001، وذلك لمناقشة ولاية اللجنة ومنهجيتها وبرنامج عملها. ثم زارت اللجنة الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، في الفترة من 10 إلى 18 فبراير 2001. ويرد في المرفق الثاني برنامج اللجنة الكامل.

3. والتقت اللجنة، بعد وصولها إلى غزة، مساء يوم 10 فبراير 2001، بالسيد ياسر عرفات، رئيس السلطة الفلسطينية، الذي قدم للجنة سرداً للأوضاع من وجهة نظر السلطة الفلسطينية. ويظهر، من البرنامج الوارد في المرفق الثاني، أن اللجنة عقدت، وهي في غزة، لقاءات ومناقشات مع أعضاء السلطة الفلسطينية، والمنظمات غير الحكومية، والهلال الأحمر الفلسطيني، ولجنة الصليب الأحمر الدولية، وبعض الوكالات الدولية، (وبخاصة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومكتب منسق الأمم المتحدة الخاص في الأراضي المحتلة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا")، وعدد من الصحفيين والمحامين، وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني. كما التقى أعضاء اللجنة بعدد من الشباب، الذين أصيبوا بجروح خطيرة بنيران جيش الدفاع الإسرائيلي (الجيش الإسرائيلي) في أثناء المظاهرات، وزاروا مستشفى في خان يونس، يرقد فيه أشخاص من جراء استنشاق غازات. وفي الطريق إلى خان يونس، زار أعضاء اللجنة منطقة "قرارة" بالقرب من طريق كوسوفيم المؤدي إلى المستوطنات، ورأوا أراضي زراعية كسحتها جرافات آلية، ومنازل دمرها الجيش الإسرائيلي، وتكلموا مع سكان هذه المنازل، الذين انتقلوا إلى العيش في خيام. وفي خان يونس، زارت اللجنة نقطة تفتيش توفار الملاصقة لمستوطنة نيفيه ديكاليم اليهودية. وبينما كان أعضاء اللجنة يتكلمون مع الصحفيين، عند نقطة التفتيش هذه، أُطلق على المستوطنة عياران ناريان من مبنى قريب. ورد الجيش الإسرائيلي على ذلك، بقصف شديد، من قاعدته الملحقة بالمستوطنة، فوقعت ثلاث إصابات، ومنها إصابتان خطيرتان. والتقت اللجنة بعد ذلك بأشخاص عانوا من آثار النيران أو دمار الممتلكات.

4. وأمضت اللجنة يوم الأربعاء، 14 شباط/فبراير، في لقاءات مع منظمات إسرائيلية غير حكومية، ومحاورين إسرائيليين، قدموا للجنة صورة أوسع لسياق الصراع، وللموقف القانوني، الذي تتبناه حكومة إسرائيل. وفي يومي 15 و16 شباط/فبراير، زارت اللجنة رام الله، حيث التقت بأعضاء من السلطة الفلسطينية، والمجلس التشريعي الفلسطيني، والدائرة الفلسطينية لشؤون مفاوضات السلام، والمنظمات الفلسطينية غير الحكومية، وبعض المحامين والأكاديميين. وصباح يوم 16 شباط/فبراير، التقت اللجنة، قبل انتقالها إلى رام الله، بممثلين عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أبدوا من الآراء ما أكد كثيراً من الآراء، التي أعرب عنها محاورون آخرون قابلتهم اللجنة. وفي وقت لاحق من صباح 16 فبراير، تكلم أعضاء اللجنة مع زعماء مسيحيين ومسلمين (كان من بينهم مسؤولون عن إدارة شؤون المجلس الأقصى)، والتقوا بالسيد فيصل الحسيني في بيت الشرق. ويوم السبت، 17 فبراير، سافرت اللجنة إلى الخليل، حيث التقت بعناصر من "الوجود الدولي المؤقت في الخليل"، وبرئيس بلدية الخليل. ونظراً للحالة الأمنية المتوترة، بسبب تشييع جنازة شخص قُتل في الليلة السابقة بنيران الجيش الإسرائيلي، لم تستطع اللجنة زيارة المنطقة 2 من الخليل "H2"، وهي منطقة الخليل، التي تقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وبعد أن غادرت اللجنة الخليل، زارت مخيم عايدة للاجئين بالقرب من بيت لحم، وعاينت إحدى مدارس الأونروا، والمنازل التي أصابها دمار شديد من جراء قصف الجيش الإسرائيلي لها. والتقت اللجنة بعد ذلك بعدد كبير من المحاورين والصحفيين في القدس.

5. وعقدت اللجنة، وهي في القدس، لقاءات مسائية مع أكاديميين ومفكرين إسرائيليين، يحظون باحترام كبير، أمكنهم أن يعطوا اللجنة فكرة عن السياق القانوني للصراع، وعن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة، مع عرض وجهات النظر الإسرائيلية بشأن الانتفاضة. وبعد ظهر يوم 16 شباط/فبراير، زارت اللجنة حي جيلو بالقدس الشرقية، الذي تعرض لإطلاق من مدينة بيت جالا الفلسطينية. وفي اليوم الأخير للزيارات، التقت اللجنة بأخصائي إسرائيلي في العلوم السياسية، وبجنرال سابق في الجيش الإسرائيلي.

6. وبناء على طلب اللجنة، أجرى موظفو الأمانة العامة للأمم المتحدة المصاحبون للجنة، عدداً من المقابلات السرية مع الضحايا في غزة، ورام الله، والخليل، والقدس. وأُطلع أعضاء اللجنة على نصوص هذه المقابلات.

7. وأعلنت حكومة إسرائيل، من البداية، أنها لن تتعاون مع اللجنة. فقبل ذهاب اللجنة إلى إسرائيل، وُجهت رسالتان إلى حكومة إسرائيل، يطلب فيهما عقد اجتماعات مع الحكومة؛ وأُرسلت رسالة أخرى، كانت الأخيرة، تتضمن طلباً مماثلاً، وذلك في الفترة، التي كانت اللجنة في أثنائها في زيارة المنطقة. وعلى الرغم من هذه الجهود، لم تتزحزح حكومة إسرائيل عن سياسة عدم التعاون مع اللجنة. ويَسُرُ اللجنة، مع ذلك، أن تعلن أن الحكومة لم تضع أي عقبة على طريق أعمالها، بل إنها يسرت زيارة اللجنة إلى إسرائيل والأراضي المحتلة، بمنحها الدكتور حسين تأشيرة دخول. (لم يكن عضوا اللجنة الآخران بحاجة إلى تأشيرتي دخول لإتمام الزيارة).

8. ويجري التركيز، في هذا التقرير، على المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة. ولهذا السبب، اتصلت اللجنة ب‍ "مجلس المستوطنات اليهودية ليهودا والسامرة وغزة" للوقوف على آرائه بشكل مباشر. وبعد أن نظر المجلس في الأمر وتشاور مع حكومة إسرائيل، قرر عدم التعاون مع اللجنة.

9. وتضافرت جهود اللجنة للحصول على معلومات وآراء، بشأن انتهاكات حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الإنساني الدولي، من وجهتي النظر الفلسطينية والإسرائيلية. وتأسف اللجنة لرفض حكومة إسرائيل التعاون معها. وكان معنى ذلك ألا تحصل اللجنة على ردود محددة بشأن ادعاءات انتهاك حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وألا تستفيد من معرفة رد الفعل إزاء ما ساورها من الشواغل. وتعتقد اللجنة، مع ذلك، أنها أحاطت، على نحو وافٍ، بالموقف الإسرائيلي الرسمي، وذلك من خلال دراستها لمذكرات إسرائيل إلى لجنة متشيل، ورد الحكومة الإسرائيلية على تقرير مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومن خلال الحديث مع محاورين إسرائيليين مطلعين على الأمور. كما عقدت اللجنة مناقشات مفيدة مع الجنرال السابق، شلومو غازيت، كبير المنسقين العسكريين لسياسة الضفة الغربية وغزة، في الفترة 1967-1974، وأحد الدارسين المتعمقين للشؤون العسكرية والعقيدة الأمنية.

ثانياً . المنهجية

10. درست اللجنة تقارير عديدة عن الأمور، التي تمس بحقوق الإنسان والقانون الإنساني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منذ بدء الانتفاضة الثانية في 28 أيلول/سبتمبر 2000. وفي أثناء زيارة اللجنة إلى إسرائيل والأراضي المحتلة، استمعت إلى كم كبير من الأدلة، بشأن هذه الأمور. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كانت على مقربة من العنف، وتكلمت مع بعض الضحايا، وعاينت ممتلكات مدمّرة، ومواقع بعض أسوأ المواجهات بين المتظاهرين والجيش الإسرائيلي. وانطباعات اللجنة، وملاحظاتها الإضافية والشهادات التي تلقتها، تؤكد كلها وجهات النظر، التي أعربت عنها منظمات غير حكومية تحظى بأعظم الاحترام والثقة في المنطقة. ومن هنا، فقد اعتمدت اللجنة بدرجات متفاوتة على النتائج، التي خلصت إليها منظمات محترمة غير حكومية، إذ أيدتها أقوال شهود عيان، وجاءت متوافقة مع أدلة أخرى تلقتها اللجنة. ومعنى ذلك أن اللجنة قد استندت في تقريرها إلى أفضل الأدلة المتاحة. ولا تعترض السلطة الفلسطينية على هذه الأدلة، كما لا تعترض عليها الحكومة الإسرائيلية، وإن كان كل منهما يميل إلى تفسيرها بشكل يخالف تفسير اللجنة لها.

11. وتشير اللجنة، في هذا التقرير، إلى وقائع وأرقام، تبين حجم انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. واستُقيت هذه الوقائع والأرقام من مصادر كثيرة التنوع، ولم يُدخر أي جهد لإثبات دقتها، بالرجوع إلى تقارير مصادر أخرى عن الأحداث نفسها. فإذا ما ثار أي شك بشأن دقة واقعة بعينها لم تُدرج أي إحصاءات بشأنها.

12. ويظهر من هذا التقرير أن الجيش الإسرائيلي، يعاونه المستوطنون من آن لآخر، يتحمل المسؤولية عن معظم انتهاكات حقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولا يعني هذا غض الطرف عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان من جانب الفلسطينيين، إما بتأثير من السلطة الفلسطينية، أو بصفة فردية دونما تأثير ظاهر منها. والتقرير الحالي يلفت النظر إلى هذه الانتهاكات كلما دعت الحاجة.

13. ومهمة اللجنة هي تقديم تقرير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وحكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينية تتهم إحداهما الأخرى بارتكاب خروقات أساسية لاتفاقات أوسلو في أثناء الانتفاضة الحالية. ولا تحاول اللجنة أن تحكم على هذه الادعاءات إلا بقدر صلتها بالأمور، التي تدخل في نطاق ولايتها.

14. والتقت اللجنة، في أثناء التحقيقات، بقادة المجتمع المدني في إسرائيل، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد نالت إعجابنا سعة مدارك هؤلاء الأشخاص ونفاذ بصيرتهم. ويتعلق، بهذا النوع من القيادات، مستقبل فلسطين بأحسن ما فيه، وتطبيع العلاقات بين اليهود والعرب.

15. وتأمل اللجنة أن يساعد تقريرها في دفع عملية السلام. فلا سبيل إلى حقوق الإنسان من دون سلام، ولا سبيل، على الأرجح، إلى سلام دائم لا يقوم على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وهذا هو رأي اللجنة.

ثالثاً. إيضاح السياق: الوهم والحقيقة

16. كان واضحاً في كل مراحل التحقيق، في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، في أثناء الانتفاضة الثانية، أنه لا غنى عن فهم السياق العام للحكم على تصرفات الطرفين. فلكل جانب مبرراته في اتخاذ ما صاحب التحركات الأخيرة من الإجراءات، وإن كان كل منهما يعطي إجراءاته التفسيرات القانونية والأدبية والسياسية، التي تخدم أغراضه. ومن المهم أن نفهم هذه الفروق، ونحن نسعى إلى إجراء تقييم موضوعي لمختلف ادعاءات الانتهاكات. ومن المهم بدرجة مساوية، أن نتفادى المعادلة بين موقفي الخصمين، بدعوى أن كليهما مقنع بنفس القدر. فمن الأهمية البالغة، في سياق العلاقة الإسرائيلية ـ الفلسطينية، الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني يناضل للحصول على حقه في تقرير المصير، وهو أساس ممارسة الحقوق الأخرى بحكم ما يقضي به القانون الدولي وتقتضيه الأخلاق. ومن المهم بدرجة مماثلة ألا يفوتنا أن احتلال إسرائيل المستمر للأراضي الفلسطينية لا يزال، إلى حد بعيد، أكبر عقبة كأداء في سبيل إعمال حق تقرير المصير الفلسطيني.

17. وخرجت اللجنة من هذا التحقيق بتقييمين يتجاوزان ما عداهما، وكلاهما مثبط وكاشف في آن واحد.

18. ويتعلق الأول بتصورات الطرفين، ويركز على مدى انطلاق كل منهما، في موقفه الرئيسي، من تفسير مغاير تماماً لمعنى الأحداث الأخيرة. ومن حيث الجوهر، فإن حكومة إسرائيل ومعظم الإسرائيليين، يرون في انهيار عملية أوسلو مصدر أزمة أمنية حادة جديدة. ويرى معظم الإسرائيليين في الانتفاضة الثانية مؤشراً على عدم رغبة الفلسطينيين في حسم النزاع بالطرق السلمية، بعد أن رفضوا ما يعتبر عرضاً سخياً، قدمته لهم حكومة إسرائيل في مرحلتي كامب ديفيد الثانية وطابا، من مفاوضات الوضع النهائي. ووفقاً لهذا المنظور الإسرائيلي السائد، تغير طابع هذه الأزمة. فبعد أن كانت العلاقة مع الفلسطينيين علاقة دولة احتلال مع شعب محتل، أصبحت علاقة بين طرفين متنازعين في وضع قتالي، أو في حالة حرب، بما معناه انتفاء كل القيود تقريباً، سواء كانت قيوداً قانونية أو أخلاقية، من جانب الطرف الإسرائيلي على الأقل، رهنا فقط بتذرعه بالضرورات العسكرية بما يخدم أغراضه.

19. وعلى النقيض من ذلك تماماً، ترى السلطة الفلسطينية ومعظم الفلسطينيين، في المرحلة الحالية من العلاقة مع إسرائيل، نتاج مجموعة من التحريفات فيما يتعلق بتطبيق مبادئ أوسلو، وعدم تنفيذ مجموعة من قرارات الأمم المتحدة ذات الحجية، وبخاصة قرارا مجلس الأمن 242 (1967) و338 (1973)، وانتهاكات إسرائيل الخطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة. كما يعد هذا الوضع، بملامحه هذه، مسؤولاً عن قسوة الاحتلال الإسرائيلي البالغة، وما يتعرض لـه الفلسطينيون من جرائهـا من أذى في حياتهم اليومية. ومما يزيد هذه الظروف، سوءاً على سوء، التوسع المستمر في المستوطنات الإسرائيلية، في غضون عملية أوسلو بكاملها، فضلاً عن دور الجيش الإسرائيلي في حماية هذه المستوطنات. وترى أكثرية الفلسطينيين في هذه المجموعة من العناصر، جل دوافع مسلسل العنف المتصاعد، الذي أطلقت شراراته الأحداث الاستفزازية، التي جرت في الحرم الشريف/ جبل الهيكل في 28 سبتمبر 2000. وفي هذا الصدد، تعد الانتفاضة الثانية سلسلة تلقائية من الاستجابات المعتدلة المتناسبة، إزاء احتلال تواصل ودام على رغم مرجعية الأمم المتحدة الثابتة، منذ عام 1967. ومن هذا المنظور، يعلن الفلسطينيون أنهم لا يزالون يسعون إلى التوصل إلى حل للنزاع، عن طريق التفاوض لتحقيق تسوية سلمية عادلة لكلا الجانبين، يتعزز بها أمن الشعبين وفق أسس تبادلية.

20. وثمة نتيجة ثانية ذات صلة بما سبق، ألا وهي العلاقة بين وضعية الاحتلال الإسرائيلي عقب التغييرات الناشئة عن عملية أوسلو، من ناحية، والانتفاضة الثانية وما صاحبها من عنف متصاعد، من ناحية أخرى، وهي علاقة مستترة إلى حد ما. فمن الأهمية بمكان، ملاحظة الصلة بين إعادة نشر قوات الجيش الإسرائيلي منذ عام 1994، وتنفيذ اتفاقات أوسلو. فقد انسحب الجيش الإسرائيلي، على مراحل، من معظم مناطق الضفة الغربية وغزة، التي تقطنها غالبية السكان الفلسطينيين وواصل، مع ذلك، بل عزز، إحكام قبضته على الحدود بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وفيما بين مختلف القطاعات الداخلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. والأهم من ذلك، وبحكم الإبقاء على المستوطنات في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية، كما يظهر من الخريطة المرفقة (المرفق الثالث)، قُسمت الضفة الغربية وغزة إلى المناطق "ألف" و"باء" و"جيم"، مع إعطاء الفلسطينيين كامل السلطة الإدارية على المنطقة "ألف"، وممارسة إسرائيل سيطرة أمنية على المنطقة "باء"، وسيطرة خالصة على المنطقة "جيم". ومعنى ذلك أن ترتيبات تنفيذ اتفاقات أوسلو، أفضت إلى إنشاء حدود داخلية، تمكن إسرائيل من توفير الحماية لمستوطناتها، مع الانسحاب من المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان. وترتب على إعادة تجزئة الأراضي الفلسطينية نشوء حالة من التفتت البالغ، فضلاً عن زيادة مشاق سفر الفلسطينيين، الذين يحتاجون، للعمل أو لأسباب أخرى، إلى الانتقال من مكان إلى آخر داخل الأراضي. وأنشئت نقاط تفتيش يتعرض فيها الفلسطينيون للتفتيش الدقيق، مما يؤدي إلى زيادة فترات الانتظار وتكرر المهانة، والتقييد المتزايد لحق الفلسطينيين في التنقل حتى في الظروف العادية. وفي غضون الانتفاضة الثانية، زاد هذا الوضع سوءاً على سوء، بحكم إغلاق الطرق، وفرض الحصار بصورة متكررة، مما يحول دون نقل البضائع وانتقال الأشخاص، عبر الحدود الداخلية والخارجية. وبتعبير معظم الفلسطينيين، تعتبر الحالة، التي شهدتها الأشهر الأخيرة، "حالة حصار".

21 . ولا يكون، لهذا النمط من السيطرة والأمن، أسباب مفهومة إلا فيما يتعلق بالمستوطنات والحاجة إلى الوصول الآمن منها إلى إسرائيل وبالعكس. ومهمة الجيش الإسرائيلي الأساسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هي حراسة المستوطنات وطرق الوصول والطرق الالتفافية. وتصل هذه العلاقة إلى حد إعطاء المستوطنين الأولوية، دونما قيد أو شرط، كلما تعارض حضورهم مع حضور السكان الفلسطينيين الأصليين. مثال ذلك أن حركة مرور السيارات الفلسطينية تتوقف تماماً، إذا مرت سيارة واحدة لمستوطن واحد في طريق أو آخر من طرق الوصول، مما يترتب عليه كثير من التأخير وقدر كبير من الغيظ. وقد لمست اللجنة هذا الوضع، بشكل مباشر، في أثناء تنقلها، وبخاصة في غزة. وعندما يقع حادث عنف، تغلق إسرائيل الطرق، مما يزيد من صعوبة السفر، وكثيراً ما يمنع أو يعوق مرور سيارات الطوارئ، مثل سيارات الإسعاف. وقد تحققت اللجنة من وقوع حالات وفاة عديدة، بسبب عدم توافر العناية الطبية للفلسطينيين، في الوقت المناسب. وقد استثمرت إسرائيل الكثير لإنشاء شبكة متطورة من الطرق الالتفافية في الضفة الغربية؛ لتمكين سكان معظم المستوطنات والجيش، من الذهاب إلى إسرائيل والعودة منها، والانتقال بين المستوطنات من دون المرور عبر المناطق الخاضعة للفلسطينيين. ويشعر الفلسطينيون، بقلق شديد، إزاء هذه الطرق. فهي، من ناحية، تمثل خطراً كبيراً يحدق بقلب الدولة الفلسطينية، لدى إنشائها مستقبلاً، وترمز إليه، وتوحي، من ناحية أخرى وبدرجة أكبر، باتجاه التفكير الإسرائيلي إلى عدم إزالة معظم مستوطنات الضفة الغربية مطلقاً، وقد بذلت في سبيلها هذا الكم الهائل من الأموال والجهود. وهذا بخلاف الوضع في غزة، حيث تجتاز طرق الوصول الإقليم الفلسطيني ولم تنشأ خصيصاً. ومن هذه الناحية، يبدو ممكناً إزالة مستوطنات غزة في إطار مفاوضات الوضع النهائي، على عكس ما ترجحه الاحتمالات حالياً، فيما يبدو، بالنسبة للضفة الغربية.

22. ومن ملامح اتساع شقة الاختلاف، في وجهة نظر الطرفين، ما يتصل بنتائج العنف وطابعه. فيعزو معظم الإسرائيليين، فيما يبدو، معظم إصاباتهم إلى مظاهرات إلقاء الحجارة، تتخللها أحياناً أعيرة نارية فلسطينية. ويعزو الفلسطينيون إصاباتهم، في أكثر الحالات، إلى ما يرونه رد فعل مفرطاً من جانب إسرائيل/الجيش الإسرائيلي، تجاه هذه المظاهرات. وخلصت اللجنة إلى رأي قاطع، بأن الإصابات الفلسطينية تعود حقاً، وبشكل رئيسي، إلى هذه المصادمات المباشرة، وأن قوات الجيش الإسرائيلي، وقد تحصنت وراء موانع، ولديها أسلحة متطورة، لم تتكبد، حسب أدق المعلومات المتاحة للجنة، أي إصابة خطيرة، ولو واحدة، نتيجة المظاهرات الفلسطينية. وفضلاً عن ذلك، لم يكن الجنود الإسرائيليون، على ما يبدو، في أي وضع يهدد حياتهم في أثناء هذه الأحداث. ومن رأي اللجنة القاطع، أيضاً، أن أغلبية الإصابات الإسرائيلية تعود إلى بعض ما يقع من أحداث على طرق المستوطنات، وعند بعض نقاط التفتيش المنعزلة نسبياً في أماكن التماس بين المناطق "ألف" و"باء" و"جيم"، أي بسبب وجود المستوطنات، وما ينشأ عنها، بصورة غير مباشرة، من إثارة المشاعر. ولا بد، في هذا الصدد، من ملاحظة عنف المستوطنين إزاء المدنيين الفلسطينيين في المناطق الملاصقة للمستوطنات، وتواطؤ الجيش في هذا العنف. ومن السمات البارزة للتوترات المصاحبة للانتفاضة الثانية، التعاطف الواضح بين جيش الدفاع وسكان المستوطنات اليهودية وروح العداء الواضحة أيضاً، وبنفس الدرجة، بين هؤلاء السكان والسكان الفلسطينيين في المناطق المحيطة.

23. ومن المهم، ملاحظة اللغة، التي صاحبت الانتفاضة الثانية للتمكن من تقدير مدى انتهاكات حقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي. فكلا الجانبين يميل إلى استعمال صفة "الإرهاب"، ولو جزئياً، في وصف أعمال العنف من جانب الطرف الآخر. فالإسرائيليون يرون، في هجمات الفلسطينيين، وبخاصة عبر "الخط الأخضر" (إسرائيل ما قبل 1967) إرهاباً، حتى وإن وجهت الهجمات ضد أهداف رسمية، مثل الجيش الإسرائيلي، أو الموظفين الحكوميين. ويضفي الفلسطينيون صفة "إرهاب الدولة" على تكتيكات الجيش الإسرائيلي بإطلاقه النار على المتظاهرين المدنيين العزل (وبخاصة الأطفال)، وباعتماده على الدبابات والمروحيات، في مواجهة المتظاهرين، وبردوده الانتقامية على إطلاق الأعيرة النارية من مخيمات اللاجئين، فضلاً عن الأعمال المخططة لاغتيال الأفراد. ويصعب تحديد المركز القانوني لأنماط العنف هذه، بقدر من الحجية. فمن أسباب الصعوبة الحالية ادعاء الإسرائيليين نشوء حالة نزاع مسلح، عقب وضعية الاحتلال الحربي، نتيجة انسحاب الجيش من المناطق "ألف"، ونقل سلطة الحكم في هذه المناطق إلى السلطة الفلسطينية. ومن أسباب الصعوبة الأخرى، قول الفلسطينيين إن لهم الحق في مقاومة أي احتلال غير مشروع.

24. وتتعارض نظرة الطرفين، بشكل أساسي، من زاوية أخرى. فترى إسرائيل في تدابيرها الأمنية، بما فيها إغلاق الحدود والطرق، درجات معتدلة، بل منضبطة، من التصدي للقلاقل والمعارضة الفلسطينية. فإذا اعتمدت إسرائيل على تفوق أسلحتها، أو تسببت في وقوع معظم الإصابات، فإن ذلك يرجع، منطقياً، إلى ضرورة إضعاف معنويات عدو متفوق عددياً، والقضاء على مقاومته في المهد. وهكذا تذهب شروح الشهود الإسرائيليين في تفسير، بل تبرير استخدام جيش الدفاع الذخائر الحية ضد المتظاهرين الفلسطينيين العزل، في الأيام الأولى من الانتفاضة الثانية. ولم تكن هناك في تلك الآونة، أي شواهد على إطلاق نيران من الجانب الفلسطيني.

25. ويرى الفلسطينيون هذه الصلة، بين أعمال المقاومة الفلسطينية، من ناحية، والردود الإسرائيلية، من ناحية أخرى، من زاوية مغايرة تماماً. فيرون في لجوء إسرائيل لاستعمال القوة من اليوم الأول للانتفاضة الثانية، بل قبل زيارة آرييل شارون إلى المسجد الأقصى في 28 أيلول/سبتمبر، مخططاً لسحق أي بادرة فلسطينية، للاحتجاج الصريح على استمرار السيطرة والاحتلال الإسرائيليين في الضفة الغربية وغزة. ويرى معظم الفلسطينيين، في عمليات إغلاق الطرق والحدود وتدمير المنازل والممتلكات، وما يصاحبها من إجراءات حظر التجول، وفرض القيود، محاولات صريحة من الإسرائيليين، في إطار سياسة عامة، لإنزال عقاب جماعي بالسكان الفلسطينيين كافة. كما يرفض الفلسطينيون مقولة إن السلطة الفلسطينية، والشرطة التابعة لها، تستطيعان منع المظاهرات العدائية، أو ضمان عدم وقوع أحداث عنف ضد أهداف داخل إسرائيل. وعندما ترد إسرائيل على هذه الأحداث بمعاقبة الأراضي الفلسطينية بأسرها، يرى الفلسطينيون، في ذلك الرد، إجراءً انتقامياً جائراً غير قانوني، وذلك لاستحالة تبين أي صلة بين الرد ومرتكب الفعل، أو بينه وبين احتمال ردع العنف مستقبلاً.

26. ويرتبط، بهذه التصورات ارتباطاً وثيقاً، اختلاف النظرة إلى طبيعة الانتفاضة الثانية. ويميل الإسرائيليون إلى التفريق بين الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية، فيرجعون بنظرهم إلى الوراء ويقولون إن الانتفاضة الأولى كانت تلقائية، إلى حد كبير، انطلقت من أدنى إلى أعلى، تعبيراً غير عنيف عن احتجاج الفلسطينيين على الاحتلال الإسرائيلي. ولم يكن، معقولاً في تلك الظروف، تحميل السلطة الفلسطينية المسؤولية عن الاضطرابات. أما الانتفاضة الثانية، فيراها الإسرائيليون ناتجة عن تحريض علوي؛ لمجابهة القيادة الإسرائيلية بتحدٍ آني، في لحظة زمنية حرجة في مفاوضات السلام. فهي خطة مدبرة لتحسين الموقف التفاوضي الفلسطيني، وقد أخذ يزداد ضعفاً، وتعكس فشل السلطة الفلسطينية الذريع في الاضطلاع بالتزاماتها، في إطار الاتفاقات المؤقتة المترتبة على عملية أوسلو؛ للحفاظ على الأمن الإسرائيلي في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة.

27. ويرى الفلسطينيون الانتفاضة الثانية من منظور مختلف تماماً، هو، في جوهره، منظور الشعب المحتل. فيرون، في المظاهرات، انفجارات تلقائية لمشاعر معادية مكبوتة، كرستها سنوات الإحباط وخيبة الأمل والمهانة. ويعتبر الفلسطينيون الردود الإسرائيلية استطراداً منطقياً للتركيبة الأساسية لاحتلال الأراضي، فهي تركيبة أحادية الجانب، لا تعرف اللين مع السكان المدنيين الفلسطينيين، ولها هدف واحد هو معاقبة وسحق كل بوادر المقاومة.

28. ومن هذا المنظور، يرى الفلسطينيون في اعتماد الإسرائيليين المتعاظم على الأسلحة الثقيلة والنيران المصوبة للقتل في الانتفاضة الثانية، بالمقارنة بالانتفاضة الأولى، محاولة لثني الفلسطينيين عن تصعيد المقاومة، أو لجعلهم يتخلون عنها تماماً. كما يرون، في هذه التكتيكات الحربية، محاولة لتزويد إسرائيل بذريعة تتخلص بها من القيود، التي ترتبط بأعمال الشرطة ومسؤولياتها، أو بتطبيق معايير حقوق الإنسان.

29. وبالإضافة إلى هذه القضايا الهيكلية الأساسية، من المهم كثيراً، أن ندرك حالة الضعف الأشد، التي يعانيها اللاجئون الفلسطينيون، ونسبتهم حوالي 50% من سكان الأراضي الفلسطينية، وتتزايد أعدادهم بأكثر من 3% في السنة. ويرى الإسرائيليون الفلسطينيين المقيمين في الأراضي، وكأنهم واقع واحد، من دون إيلاء اهتمام خاص للاجئين، إلا أن الفلسطينيين أكثر إدراكاً لمدى المعاناة الحادة، التي ترتبها اعتبارات الأمن الإسرائيلي على أوساط اللاجئين في الانتفاضة الثانية.

30. ويتعرض هؤلاء اللاجئون إلى الإيذاء، بشكل خاص في أثناء الانتفاضة الثانية. فكثيراً ما يقعون أسرى محتجزاتهم المكتظة نتيجة إجراءات الإقفال وحظر التجول، مما يترتب عليه استحالة احتفاظ الكثير منهم بوظائفهم. والبطالة بينهم عالية، والمدخرات شبه منعدمة، وهو ما يؤدي إلى معاناة بالغة. ومن الناحية التاريخية أيضاً، لا يدخل اللاجئون الفلسطينيون، بعكس اللاجئين في العالم أجمع، تحت مظلة نظام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وتقدم الأونروا لهم الإغاثة والعون الإنساني، ولكنها غير مفوضة، دستورياً أو سياسياً، بتوفير الحماية لهم، وهو ما تأكد لنا، بعد مناقشات مع بعض كبار المسؤولين في الأمم المتحدة، وخبراء المنظمات غير الحكومية.

31. وهناك مسألة أساسية أخرى تتعلق بحقوق الإنسان، ألا وهي اختلاف الطرفين البالغ بشأن المسائل المتعلقة بلب النزاع، وقضية اللاجئين الأوسع وعلاقتها بنجاح عملية السلام. فثمة توافق إسرائيلي يقول إن أي طلب جاد لجعل الحق الفلسطيني في العودة، ينطبق على الفلسطينيين، الذين طردوا من 530 قرية عام 1948، يُدخل عملية "السلام" في متاهات معقدة للغاية. أما الفلسطينيون، فموقفهم أكثر تنوعاً وأقل قطعية. فيصر بعض الفلسطينيين على التنفيذ الكامل لحق العودة، وفقاً للقانون الدولي، الذي يعطي الأولوية للحق في العودة إلى الوطن لمن يريد العودة. وغالباً ما يتخذ الفلسطينيون، فيما يبدو، موقفاً مرناً من هذا الموضوع، فيسعون أساساً إلى الحصول على اعتراف رمزي من إسرائيل بالمشاق الملازمة لعمليات الإبعاد، والنص بشكل ما على التعويض، وإتاحة بعض الإمكانيات للم شمل الأسر الفلسطينية. ويفهم، من الموقف الفلسطيني، أنه إذا توافر حسن النية من الجانب الإسرائيلي تجاه القضايا العالقة الأخرى، مثل القدس والمستوطنات، أمكن بحث الخلاف حول حق العودة، على نحو يراعي الواقع العملي، الذي نشأ في غضون الخمسين عاماً ويزيد، والتي تلت الأحداث الكبرى.

32. وعلى العموم، تنزع حكومة إسرائيل والرأي العام الإسرائيلي، إلى اعتبار كل استخدام إسرائيلي للقوة، تدبيراً أمنياً معقولاً، بالنظر إلى تغير العلاقة بين المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، نتيجة لإعادة انتشار قوات جيش الدفاع الإسرائيلي المرتبطة بعملية أوسلو، وبالتالي فإن هذه التدابير الأمنية ينبغي أن تكون صارمة، وأن تسمح بما يلزم من تدخل من أجل توفير الحماية للمستوطنات، ولحركة تنقل المستوطنين من إسرائيل وإليها. ويعتبر الأمن الإسرائيلي مبرراً لجميع السياسات الموجهة قسراً ضد شعب فلسطين. وهذه الفرضية الرئيسية تجعل الإسرائيليين ينظرون، إلى أي استخدام للقوة من جانب الفلسطينيين، باعتباره "إرهاباً". ويبلغ الخلاف في وجهات النظر أشده فيما يتصل بمسألة العنف هذه وتفسيرها، حيث ينظر الفلسطينيون، إلى ما يقومون به من أعمال معارضة، باعتبارها رداً معقولاً على احتلال غير مشروع لوطنهم، وبذلك فإنهم يرون أن ما يقومون به من أعمال عنف هو نتيجة لردود فعل إسرائيلية، مفرطة باستمرار، على مقاومة خالية من العنف. يضاف إلى ذلك أن الفلسطينيين يرفضون كلياً الحجج الأمنية الإسرائيلية، وينظرون إلى القيود المفروضة على حركة التنقل، وعمليات الإغلاق، وتدمير الممتلكات، والاغتيالات السياسية، وإطلاق النار من قبل القناصة، وما شابه ذلك من ممارسات، باعتبارها ممارسات عقابية وانتقامية، تتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية، كما تتعارض مع الضوابط الدنيا المجسدة في القانون الدولي الإنساني.

33. وثمة ملاحظة شاملة تتصل بنظرة الجانبين إلى سلطة الأمم المتحدة. فالإسرائيليون ينزعون إلى النظر إلى الأمم المتحدة، ومعظم أوساط المجتمع الدولي، باعتبارها غير متعاطفة على الإطلاق مع سعيهم إلى ضمان الأمن، فضلاً عن كونها منحازة لمزاعم الفلسطينيين وتظلماتهم. أما الفلسطينيون فيشعرون، من جانبهم، بخيبة أمل إزاء فعالية الدعم المقدم من الأمم المتحدة، كما يشعرون بأنه يجري التخلي عنهم، في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى حماية أساسية. ويشير الفلسطينيون إلى قرارات الأمم المتحدة العديدة، التي تؤيد قضيتهم، والتي لم يتم تنفيذها قط. وبذلك فإن كلا الجانبين يقف حالياً موقفاً متشككاً إزاء دور الأمم المتحدة ونظرتها إلى الأمور وقدرتها والتزامها.

34. وتنشأ، عن هذه النظرة إلى اتساع شقة الخلاف في وجهتي النظر الإسرائيلية والفلسطينية، ثلاثة استنتاجات:

(أ) أهمية تشجيع تحسين الاتصال، بين ذوي النوايا الحسنة على الجانبين، بحيث يكون التخاطب بين الطرفين أكثر انفتاحاً، وأكثر مراعاةً لوجهات نظر الجانب الآخر. وهذه الملاحظة تنطبق، بصفة خاصة، على الصحفيين، الذين يلاحظ حالياً أن نشاطهم ينحصر، بوجه عام، ضمن مجتمع كل منهم، والذين ينزعون إلى تقديم معلومات متحيزة لقرائهم فيما يتصل بالعلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لا تتضمن نقداً للمواقف الرسمية لكل من الجانبين، ويستخدمون لغة تعزز النظرة المقولبة إلى "الآخر" باعتباره "عدواً"؛

(ب) التحدي الذي يواجه أجهزة الأمم المتحدة، في استعادة سمعتها لدى كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والسكان الإسرائيليين والفلسطينيين، من خلال السعي إلى التزام الموضوعية في توزيع المسؤولية القانونية والسياسية، وفي الدعوة إلى الالتزام بسلوك معين، باسم القانون الدولي، وفي صياغة المقترحات لتحقيق السلم والمصالحة. ومن المهم بالقدر نفسه، ولربما من الأهم، ضرورة اتخاذ خطوات تكفل، قدر الإمكان، تنفيذ التوجيهات الصادرة عن الأمم المتحدة، سواء في شكل قرارات أو غير ذلك من الأشكال، فضلاً عن ضمان اتخاذ إجراءات متابعة لمعالجة حالات عدم الامتثال؛

(ج) ينبغي تقدير أن الالتزام بالموضوعية لا يعني اتخاذ موقف "الحياد"، إزاء تناول الأسس الموضوعية لجوانب الخلاف فيما يتعلق بالانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني. إذ يمكن، بل يجب، إصدار أحكام في هذا الشأن. ومن المفيد التذكير في هذا الخصوص بما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي، شلومو بن عامي، في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2000 في أثناء مناقشة في مجلس الوزراء، اعتُرض فيها على الإفراج عن فلسطينيين يُزعم أنهم خالفوا القانون، خلال المراحل الأولى من الانتفاضة الثانية: "إن الاتهامات، التي تصدر عن مجتمع راسخ، فيما يتصل بكيفية قيام شعب يقمعه هذا المجتمع، بمخالفة القواعد من أجل نيل حقوقه، هي اتهامات لا تنطوي على الكثير من المصداقية" (مقال بقلم آكيفا إلدر في صحيفة هاآرتس، 28 نوفمبر 2000). ولقد كان هذا المنظور أساساً استندنا إليه في إعداد تقريرنا. وقد حاولنا قدر الإمكان أن نعبر، بإنصاف ودقة، عن الوقائع ومقتضيات القانون، فيما يتصل بكلا الجانبين، ولكننا قيّمنا الوزن النسبي للوقائع والحجج المقدمة من حيث أهميتها القانونية. وهذه العملية، وحدها، تمكننا من استخلاص استنتاجات أكيدة، بشأن وجود انتهاكات للمعايير القانونية الدولية لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني.