إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)









أمن البحـــر الأحمــر

رابعاً. الوضع القانوني للنزاع

35. إن الوضع القانوني للضفة الغربية وغزة، والنظام القانوني الذي تخضع له العلاقات بين إسرائيل وشعب فلسطين، ما برح موضع نزاع، منذ أن قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية وغزة في عام 1967. وبالنظر إلى أن سيادة الأردن على الضفة الغربية كانت موضع شك، وأن مصر لم تدع قط سيادتها على غزة، فإن حكومة إسرائيل قد اعتمدت وجهة نظر مفادها أنه لم تكن هناك أي سلطة ذات سيادة قامت إسرائيل باحتلال هذه الأراضي على حسابها. وبالتالي فإن إسرائيل، على رغم كونها طرفاً في اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تعتبر أنها ليست ملزمة قانوناً بأن تعامل هذه الأراضي، بوصفها أراضي محتلة ضمن معنى اتفاقية جنيف الرابعة. ومع ذلك، فقد وافقت إسرائيل على تطبيق بعض الأحكام الإنسانية الواردة في اتفاقية جنيف الرابعة، على الأراضي المحتلة، على أساس الأمر الواقع.

36. وقد أضفت اتفاقات السلم المعقودة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ويشار إليها فيما يلي باتفاقات أوسلو، مستوى إضافياً من التعقيد على حالة قانونية، هي موضع خلاف أصلاً. وتزعم إسرائيل الآن أنه، على الرغم مما تتضمنه المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة، من حظر لأي تدخل في حقوق الأشخاص المحميين في إقليم محتل ينشأ عن اتفاق بين سلطات الإقليم المحتل ودولة الاحتلال، فإن اتفاقات أوسلو قد أحدثت تغييراً كبيراً في الحالة. وتزعم إسرائيل، بصفة خاصة، أنه لم يعد من الممكن اعتبارها دولة احتلال، فيما يتعلق بالمناطق "ألف"، التي تسكن فيها أغلبية السكان الفلسطينيين؛ لأن السيطرة الفعلية على هذه المناطق قد آلت إلى السلطة الفلسطينية.

37. ويثير وضع الضفة الغربية وغزة مسائل خطيرة؛ لا للأسباب المبينة أعلاه فحسب، وإنما أيضاً بسبب تأثير قضايا حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير في هذه الأراضي. فالذين تولوا صياغة اتفاقية جنيف الرابعة، لم يتصوروا احتلالا مطولاً مستمراً لما يزيد عن 30 سنة (انظر المادة 6 من الاتفاقية). ومن ثم، فإن المعلقين قد اقترحوا أن تكون سلطة الاحتلال، في حالة الاحتلال المطول، خاضعة للضوابط، التي يفرضها قانون حقوق الإنسان الدولي، فضلاً عن قواعد القانون الدولي الإنساني. كما أن الحق في تقرير المصير، الذي يحتل مكانة بارزة في كل من القانون الدولي العرفي، والصكوك الدولية لحقوق الإنسان، يتسم بأهمية خاصة في أي تقييم لوضع الضفة الغربية وغزة. ولقد كان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، موضع اعتراف متكرر من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما من شك في أن الهدف النهائي لعملية السلام، التي بدأت في أوسلو، هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة. والواقع أن ما يزيد عن 100 دولة قد أقامت بالفعل علاقات مع الكيان الفلسطيني، لا تختلف عن تلك العلاقات، التي تقام مع دولة مستقلة، بينما تتمتع السلطة الفلسطينية بمركز المراقب، في العديد من المنظمات الدولية. ومن ثم، فإن الكثيرين ينظرون إلى القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية استعمار، مع الاعتراف بقيام الدولة الفلسطينية في النهاية كخطوة أخيرة في عملية إنهاء الاستعمار، التي استهلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 1514 (د-15).

38. إن حالة عدم التيقن، التي تكتنف وضع فلسطين في القانون الدولي، قد أفضت إلى تعقيد النـزاع بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، منذ 29 سبتمبر 2000. وتزعم حكومة إسرائيل أنه لم يعد من الممكن اعتبارها دولة احتلال فيما يتعلق بالمناطق "ألف"، لأنها قد نقلت سيطرتها على هذه الأراضي إلى السلطة الفلسطينية. وهي تزعم كذلك بأن الأسلحة المستخدمة في الانتفاضة الجديدة، خلافاً لما كان عليه الحال في الانتفاضة الأولى، التي كانت فيها الحجارة السلاح الرئيسي المستخدم في الانتفاضة الفلسطينية، تشمل استخدام البنادق وأسلحة أثقل، وأن النتيجة التي تترتب على ذلك، هي أن هناك الآن نزاعاً مسلحاً بين إسرائيل والشعب الفلسطيني بقيادة السلطة الفلسطينية. والهدف، من طرح هذه الحجة، هو تبرير لجوء قوات جيش الدفاع الإسرائيلي إلى استخدام القوة في النـزاع الدائر حالياً. وتزعم إسرائيل، أساساً، أنه لم يعد من الممكن النظر إليها بصفتها سلطة شرطة محتلة مطالبة بالتصرف، وفقاً لقواعد إنفاذ قانون الشرطة، بل إنها في حالة نزاع مسلح يحق لها فيه أن تستخدم الوسائل العسكرية، بما في ذلك استخدام الأسلحة القاتلة، من أجل قمع المظاهرات السياسية، وقتل القادة الفلسطينيين، وتدمير المنازل والممتلكات، بحكم الضرورة العسكرية.

39. ومن الواضح، أنه ليس هناك نزاع دولي مسلح في المنطقة، لأن المعايير المقبولة لقيام الدولة لم تستوف بعد في حالة فلسطين، على رغم ما تحظى به من اعتراف واسع النطاق. وبالتالي تنشأ مسألة ما إذا كان هناك نزاع مسلح غير دولي، وهو ذلك النوع من النـزاع، الذي عرفته دائرة الطعون التابعة للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في قضية تاديتش، بأنه "عنف مسلح متطاول بين سلطات حكومية وجماعات مسلحة منظمة". أما الحجة الإسرائيلية، التي تعتبر أن الحد الأدنى للحكم على وجود نزاع مسلح قد استوفي، فهي حجة تستند إلى وقوع نحو 000 3 حادث، تزعم أنها اشتملت على تبادل لإطلاق النار، وأن العنف الفلسطيني هو عنف منظم تديره السلطة الفلسطينية. ويطرح الفلسطينيون وجهة نظر مناقضة، مفادها أن الانتفاضة الحالية يجب أن تصنف بوصفها انتفاضة أعداد كبيرة من السكان المدنيين ضد التجاوزات غير المشروعة، التي ترتكبها دولة الاحتلال في سيطرتها على هؤلاء السكان وبيئتهم؛ وأن محركي الانتفاضة هم عناصر من السكان غير منظمين تنظيماً محكماً، ممن يعارضون الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وإخفاق السلطة الفلسطينية في تحسين وضع الشعب الفلسطيني؛ وأنه ليست هناك جماعات مسلحة محكمة التنظيم، ناهيك عن أنه ليست هناك أي جماعات مسلحة، تتولى السلطة الفلسطينية تنسيقها أو تنظيمها.

40. ويصعب على اللجنة إصدار حكم نهائي في هذا الشأن. إلا أنها تميل إلى الرأي، الذي يعتبر أن المظاهرات/المجابهات المتفرقة، التي كثيراً ما تحدث، نتيجة لقتل متظاهرين، ولا تسفر عن وقوع خسائر في الأرواح في صفوف الجنود الإسرائيليين، وأعمال الخطف والقتل غير المنظمة (كما في الحادث المأساوي، الذي أسفر عن مقتل جنود احتياطيين في الجيش الإسرائيلي في 12 أكتوبر 2000 في رام الله)، وأعمال الإرهاب، التي تقع في إسرائيل نفسها، وإطلاق النار على الجنود والمستوطنين، على الطرق المؤدية إلى المستوطنات، من قبل مسلحين غير منظمين إلى حد بعيد، هي أعمال لا يمكن أن تعتبر من قبيل العنف المسلح المتطاول، من جانب جماعة مسلحة منظمة. وهذا تقييم تؤكده حالة السلم السائدة في تلك المناطق من الضفة الغربية وغزة، والتي زارتها اللجنة. وتدرك اللجنة أن هذا التقييم، الذي يستند إلى زيارة قصيرة إلى المنطقة، وإلى آراء الشهود والمنظمات غير الحكومية، من غير المتعاطفين مع قوات جيش الدفاع الإسرائيلي، بصورة عامة، قد لا يكون تقييماً دقيقاً بالكامل. إلا أن هناك ما يكفي من الشكوك، التي تدور في خلد أعضاء اللجنة، فيما يتصل بالحالة السائدة، مما يلقي ظلالاً من الشك، حول تقييم جيش الدفاع الإسرائيلي للحالة، بأنها حالة نزاع مسلح تبرر لجوءه إلى اتخاذ التدابير العسكرية، بدلاً من التدابير التي تعتمدها الشرطة.

41. وفي رأي اللجنة، أن النـزاع يظل يخضع لقواعد اتفاقية جنيف الرابعة. فاللجنة لا تقبل الحجة الإسرائيلية، التي تعتبر أن اتفاقية جنيف الرابعة غير منطبقة؛ بسبب عدم وجود سلطة متبقية ذات سيادة في الأرض الفلسطينية المحتلة. فهذه الحجة، التي تستند إلى تفسير ضيق للمادة 2 من الاتفاقية، لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أن قانون الاحتلال، إنما يُعنى بمصالح سكان الأرض المحتلة، وليس بمصالح سلطة فقدت سيادتها على هذه الأرض. أما الحجة التي تعتبر أن إسرائيل لم تبق سلطة احتلال؛ لأنها لم تبق لها سيطرة فعلية على المناطق "ألف" من الأرض الفلسطينية المحتلة، فهي حجة لها وزن أكبر، ولكنها غير مقبولة أيضاً. فمعيار انطباق النظام القانوني الخاص بالاحتلال، لا يتمثل فيما إذا كانت سلطة الاحتلال تمارس سيطرة فعلية على الأرض المحتلة، بل فيما إذا كانت لها القدرة على ممارسة مثل هذه السلطة، وهو مبدأ أكدته المحكمة العسكرية للولايات المتحدة في نورنبرغ، في قضية الرهائن في عام 1948. فاتفاقات أوسلو تترك لإسرائيل السيطرة القانونية النهائية على الأرض الفلسطينية المحتلة؛ أما كون إسرائيل قد اختارت، لأسباب سياسية، ألا تمارس هذه السيطرة في الوقت، الذي تتوافر لها فيه، بالتأكيد، القدرة العسكرية على ممارستها، فهو أمر لا يمكن أن يعفي إسرائيل من مسؤولياتها بصفتها دولة احتلال.

42. وبينما قد يتاح، لسلطة الاحتلال أو للطرف في نزاع ما، هامش معين من حيث تفسير الحالة لدى تقييمها لطبيعة النـزاع، فإنه لا يمكن أن يسمح لها بأن تقوم من جانب واحد بتصنيف حالة ما، بطريقة تغفل ضوابط القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ولهذا السبب، تقترح اللجنة أن تقوم الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف بمعالجة جدية لطبيعة النـزاع، والتزامات إسرائيل بوصفها طرفاً في اتفاقية جنيف الرابعة. وتدرك اللجنة الاعتراض الإسرائيلي على "تسييس" اتفاقيات جنيف، ولكنها لا ترى أن هناك أي بديل آخر، لممارسة السلطات الإشرافية للأطراف السامية المتعاقدة، بموجب المادة 1 من اتفاقية جنيف الرابعة. أما اعتراض إسرائيل بقولها إن المادة 1 لا تلزم الطرف السامي المتعاقد، بأن "يكفل" احترام الاتفاقية من جانب الدول الأطراف الأخرى، فيتعارض مع آراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومع الالتزام العام من جانب الدول بأن تكفل احترام القانون الإنساني.

43. وحتى في حالة تصنيف النـزاع، بوصفه نزاعاً مسلحاً، مما يتيح لقوات جيش الدفاع الإسرائيلي مجالاً أوسع في ممارسة سلطاتها، فإنه من المؤكد، أن جيش الدفاع الإسرائيلي ليس معفياً من مراعاة جميع الضوابط، بموجب القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فهو يظل ملزماً بمراعاة مبدأ التمييز، الذي يقتضي عدم جعل المدنيين هدفاً لأي هجوم، "ما لم يكونوا، وما داموا، يشاركون مشاركة مباشرة في الأعمال الحربية"، (وهو مبدأ أعيد تأكيده في المادة 51(3) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف). أما قيام الشبان بقذف الحجارة على مواقع عسكرية، يتوافر لها قدر هائل من الحماية، فلا يبدو أنه ينطوي على مشاركة في أعمال حربية. يضاف إلى ذلك أنه ليس هناك الكثير من الأدلة، على حدوث إطلاق نار عشوائي على المدنيين في المواقع القريبة من المظاهرات، وغيرها من الأماكن. كما أن قوات جيش الدفاع الإسرائيلي تخضع لمبدأ التناسب، الذي يقتضي ألا تكون الأضرار اللاحقة بغير المقاتلين، أو بالممتلكات المدنية غير متناسبة مع المزايا العسكرية، التي تنطوي عليها عملية ما. أما استخدام الأسلحة القاتلة ضد المتظاهرين، وتدمير المنازل والممتلكات على نطاق واسع، على امتداد طرق المستوطنات، فلا يمكن أن يعتبرا، في رأي اللجنة، متناسبين، في ظل الظروف القائمة. كما أن قواعد حقوق الإنسان توفر مقياساً للتصرفات في الأرض الفلسطينية المحتلة، ذلك لأن هناك اتفاقاً عاماً على أن هذه القواعد يجب أن تطبق في حالة الاحتلال المطول. فمدونة قواعد السلوك للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون الصادرة في عام 1979، والمبادئ الأساسية لعام 1990، بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية، من قبل الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، تعكس قواعد حقوق الإنسان الواجبة التطبيق في حالة إنفاذ القوانين والسيطرة على التجمعات. ومن هذا المنطلق، سيتناول الفرع التالي، من هذا التقرير، المزاعم المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.

خامساً. استخدام القوة بإفراط

44. ما برحت الخسائر في الأرواح وحالات الإصابة مرتفعة في الانتفاضة. وتفيد التقديرات المحافظة أنه، حتى تاريخ 21 فبراير 2001، قُتل 311 فلسطينياً (من المدنيين وقوى الأمن) على أيدي قوى الأمن الإسرائيلية، ومدنيين إسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ وقُتل 47 إسرائيلياً (من المدنيين وقوى الأمن)، على أيدي مدنيين فلسطينيين وقوى الأمن الفلسطينية؛ وجُرح 575 11 فلسطينياً و466 إسرائيلياً؛ وقُتل 84 طفلاً فلسطينياً ممن هم دون سن 17 سنة ، وجُرح نحو 000 5 طفل؛ وقُتل طفل إسرائيلي واحد، وجُرح 15 طفلاً؛ وقُتل 271 من المدنيين الفلسطينيين و40 من أفراد قوى الأمن الفلسطينية؛ بينما قُتل 27 من المدنيين الإسرائيليين، و20 من أفراد قوى الأمن الإسرائيلية.

45. وحدثت معظم الوفيات والإصابات بين الفلسطينيين بفعل ذخيرة حية (الوفيات: 93 في المائة؛ الإصابات: 20 في المائة)، ورصاص مغلف بالمطاط (الوفيات: 1 في المائة؛ الإصابات: 37 في المائة)، والغاز المسيل للدموع (الوفيات: 1 في المائة؛ الإصابات: 32 في المائة). وحدثت معظم هذه الوفيات والإصابات في أثناء مواجهات/مظاهرات، جرت في محيط المناطـق ألف، أي على حدودها الخارجية، وعلى الطرق المؤدية إلى المستوطنات، أو على تقاطعات الطرق المؤدية إليها. وليس ثمة أدلة على أن أفراد قوة الدفاع الإسرائيلية، المسؤولين عن حوادث القتل أو الإصابة هذه، قد قُتلوا أو أصيبوا بجراح خطيرة. بل على العكس من ذلك، فإن الأدلة تبيِّن أن تعرُّض أفراد قوة الدفاع الإسرائيلية، المتمترسين وراء تحصينات خرسانية، للقذف بالحجارة أو بقنابل مولوتوف، بل حتى تعرُّضهم لإطلاق نار متقطع من قبل مسلحين بين المتظاهرين أو حولهم، لم يكن، في معظم الحالات، يشكل خطراً على حياتهم. وتشكك قوة الدفاع الإسرائيلية بشدة في صحة هذه الحجة، مؤكدة أن الرصاص المغلف بالمطاط والذخيرة الحية لم تستخدم إلا في حالات تعرُّض أرواح أفرادها للخطر(1). غير أن الإحصاءات، على نحو ما يتجلى من عدد الوفيات، التي تحدث بين الفلسطينيين، في أثناء المظاهرات، وعدم حدوث وفيات أو إصابات خطيرة في صفوف قوة الدفاع الإسرائيلية، في أثناء تلك المظاهرات، وإفادات شهود عيان أدلوا بها أمام اللجنة، وتقارير المنظمات غير الحكومية والهيئات الدولية، تضع تأكيد قوة الدفاع الإسرائيلية موضع شك شديد. وعليه، فلا يسعنا إلا أن نخلص إلى أنه كان من الممكن التصدي لمعظم هذه المظاهرات بالأساليب المستخدمة، عادة، لإخماد المظاهرات العنيفة، كَرَشِّ المتظاهرين بخراطيم المياه، والغاز المسيل للدموع، واستخدام الرصاص المطاطي الليِّن (من النوع المستخدم في أيرلندا الشمالية). كما أن من غير الواضح سبب عدم استخدام قوة الدفاع الإسرائيلية دروعاً واقية من أعمال الشغب لحماية أفرادها من الحجارة. وعلى وجه الإجمال، توحي الأدلة بأن قوة الدفاع الإسرائيلية هي إما غير مدربة أو مجهزة للتصدي بكفاءة للمظاهرات العنيفة، (على الرغم من طول باعها في التعامل مع هذه المظاهرات)، وإما أنها قد قررت، عمداً، عدم استخدام تلك الأساليب. لذلك فإن اللجنة تشاطر كثيراً من المنظمات غير الحكومية رأيها بوجوب تأنيب قوة الدفاع الإسرائيلية على عدم تقيدها باستخدام أساليب إنفاذ القانون، المنصوص عليها في مدونتي إنفاذ القانون لعامي 1979 و1990، والمشار إليهما أعلاه. وتشاطر اللجنة كذلك المنظمات غير الحكومية هواجسها، بشأن عدم تقيد قوة الدفاع الإسرائيلية، بما لديها، هي ذاتها، من أحكام ناظمة لفتح النار بالذخيرة الحية، في حالات من هذا القبيل.

46. حتى وإن كانت الحجة المطروحة أعلاه غير صحيحة، وإذا كانت المواجهات موضع البحث مظهراً من مظاهر النزاع المسلح، بين قوة الدفاع الإسرائيلية وقوة فلسطينية منظمة، ترى اللجنة أن رد قوة الدفاع الإسرائيلية لا يستوفي شرط التناسبية، وينم عن استخفاف جسيم بأرواح المدنيين الموجودين قريباً من المظاهرات.

47. وتلقت اللجنة أدلة مقلقة، عما تستخدمه قوة الدفاع الإسرائيلية من رصاص مغلف بالمطاط وذخيرة حية. فالأول مصمم، على ما يبدو، لاستهداف الأفراد، تحديداً، وليس لتفريق الحشود. وعلاوة على ذلك، فإن تسميته "رصاصاً مطاطياً" هي تسمية مضلِّلة، لأنه رصاص معدني مغلف بغطاء من المطاط. أما الذخيرة الحية المستخدمة فتشمل رصاصاً شديد السرعة يتشظى لدى اصطدامه بالهدف، مسبباً أقصى قدر من الضرر. ومما يبعث على القلق كذلك، الأدلة على أن كثيراً مما يحدث من وفيات وإصابات هو نتيجة لجروح في الرأس وأعلى الجسم، مما يدل على نية في إلحاق ضرر جسدي خطير، لا على نية في إخماد المظاهرات/المواجهات.

48. إن القانون الدولي يلزم العسكريين بتوخي عناية خاصة، لدى تعاملهم مع الأطفال. ومن بين مجموع من قُتل من الفلسطينيين، فإن 37% هم من الأطفال، الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، كما أن حوالي 50% من المصابين الفلسطينيين هم من الأطفال دون الثامنة عشرة من العمر. إن هؤلاء الأطفال كانوا مسلحين بالحجارة أو، في بعض الحالات، بقنابل مولوتوف. والموقف الإسرائيلي هو أن مشاركة الأطفال في المظاهرات ضد قوة الدفاع الإسرائيلية تتولى تنظيمها وتشجيعها وتنسيقها السلطة الفلسطينية، بعد تلقينهم وتشريبهم أفكاراً مناهضة لإسرائيل. واللجنة، إذ هي مستعدة لقبول أنه ربما كان بعض الأطفال قد لقنوا في المدارس أو في مخيمات تدريب خاصة دعاية معادية لإسرائيل، فلا يسعها إغفال أن المظاهرات هي، إلى حد كبير، نتيجة لما ينتاب الأطفال وأسرهم من شعور بالإذلال والإحباط، من جراء سنوات من الاحتلال. وقد اطَّلعت اللجنة على أدلة مقدمة من آباء ومن منظمات غير حكومية، عما كان يبذله كثير من الآباء من محاولات لم تفلح في منع أبنائهم من المشاركة في المظاهرات، وعما كان يلمّ بهم من حزن إثر مقتل أطفالهم أو إصابتهم. ولا يختلف الآباء الفلسطينيون، في هذا الشأن، عن نظرائهم الإسرائيليين. وربما كان، بإمكان السلطة الفلسطينية، أن تفعل أكثر مما فعلت لثني الأطفال عن المشاركة في مظاهرات رمي الحجارة. وتوحي الأدلة بأن رجال الشرطة الفلسطينيين قد بذلوا، أحياناً، محاولات لمنع القيام بمظاهرات، إلا أن هذه المحاولات كثيراً ما باءت بالفشل. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدم كفاءة رجال الشرطة الفلسطينيين، وإلى أنهم هم أنفسهم كانوا يُستهدفون من قبل رماة الحجارة، عندما يحاولون كبح المتظاهرين؛ كما يمكن إرجاعه إلى ما يشعر به رجال الشرطة الفلسطينيون، بداهةً، من تعاطف مع المتظاهرين روحاً وأهدافاً. والتاريخ حافل بأمثلة عن حالات شاركت فيها الشبيبة، تحفزها نزعة مثالية ومشاعر اليأس والإهانة ورغبة في الإثارة، في مظاهرات واجهت نظاماً جائراً. ومنذ عهد قريب، تصرف الأطفال على هذا النحو في أيرلندا الشمالية وجنوب أفريقيا وإندونيسيا وغيرها. إن إصرار قوة الدفاع الإسرائيلية على أن المتظاهرين الفلسطينيين، الذين يدفعهم شعور بالمذلة إثر رزوحهم طيلة سنوات تحت الاحتلال العسكري، الذي بات يشكل جزءاً من ثقافتهم وتربيتهم، يتصرفون بإيعاز من السلطة الفلسطينية، التي تتولى تنظيمهم والتنسيق بينهم، هو تحليل ينم إما عن جهل للتاريخ، أو عن تجاهل تام للأدلة البيِّنة والحجج الدامغة.

49. إن عدم احترام قوة الدفاع الإسرائيلية حرمة مركبات الهلال الأحمر، وغيرها من المركبات الطبية، هو دليل آخر على إفراطها في استخدام القوة، وعدم امتثالها لأحكام القانون الإنساني الدولي. فتُبين الإحصاءات أنه قد اعتُدي على مركبات الهلال الأحمر مائة مرة ومرة. كما منعت قوة الدفاع الإسرائيلية سيارات الإسعاف وسيارات خاصة، من الوصول إلى المستشفيات. وينبغي التأكيد، في هذا الصدد، أن الفلسطينيين قد أبدوا، هم كذلك، عدم احترام لحرمة المركبات الطبية، حيث وقعت 57 حادثة اعتدى فيها فلسطينيون على موظفي ومركبات نجمة داود الحمراء.

50. وفي أثناء الانتفاضة الراهنة، قامت قوة الدفاع الإسرائيلية، لدواعي الضرورة العسكرية، على ما يبدو، بتدمير المنازل وإتلاف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وخاصة في غزة، التي تفتقر أصلاً للأراضي. وتبين الإحصاءات أنه قد تم تدمير 94 منزلاً، وجرف 024 7 دونماً من الأراضي الزراعية في غزة. وتقدر قيمة الأضرار، التي لحقت بالبيوت الخاصة بمبلغ 9.5 من ملايين دولارات الولايات المتحدة، والأضرار، التي لحقت بالأراضي الزراعية، بحوالي 27 مليون دولار. وقد قامت قوة الدفاع الإسرائيلية بمعظم هذه الإجراءات، على الطرق المؤدية إلى المستوطنات، من أجل حماية مركباتها، حسبما زعم. وقامت اللجنة بمعاينة بعض ما سببته قوة الدفاع الإسرائيلية من دمار، على امتداد طرق المستوطنات. فعلى طريق كوسوفيم، بمنطقة قرارة، عاينت اللجنة أرضاً جُرفت مسافة 700 متر تقريباً من الطريق. فقد دُمرت المنازل الواقعة على هذه الأرض، وأُجبرت الأسر، التي كانت تسكنها على المعيشة في خيام. كما دُمرت آبار المياه، التي كانت محفورة في جوار تلك المنطقة تدميراً تاماً. وكان، من الصعب على اللجنة، أن تصدق أن هذا التدمير، الذي كان يتم عادة في منتصف الليل، ومن دون إنذار مسبق، له ما يبرره لدواعي الضرورة العسكرية. فقد بدا للجنة أن تدمير الممتلكات على هذا النحو، كان يتم بطريقة ترهيبية، لا تمت إلى الأمن بصلة، ومع عدم مراعاة أوضاع المدنيين، وبما يتجاوز كثيراً دواعي الضرورة العسكرية. وتوحي الأدلة أن إتلاف الممتلكات وتدمير المنازل كانا يجريان أيضاً في مناطق أخرى من الضفة الغربية وغزة. والفلسطينيون، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الناس، مرتبطون ارتباطاً وثيقاً ببيوتهم وأراضيهم الزراعية. إن تدمير البيوت وإتلاف أشجار الزيتون والحمضيات، التي ما فتئ المزارعون يرعونها ويعتنون بها على مر السنوات، قد سببا معاناة بشرية لا حصر لها، لدى من لا صلة لهم بأعمال العنف الراهنة. فحتى وإن كان يوجد نزاع مسلح قليل الشدة في الضفة الغربية وغزة، يبدو واضحاً لنا أن هذه التدابير غير متناسبة، من حيث أن الأضرار، التي يتم إلحاقها بالممتلكات المدنية تفوق المكسب العسكري. وينبغي التشديد هنا على أن اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة "إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير" (المادة 53).

51. وتخلص اللجنة إلى أن قوة الدفاع الإسرائيلية قد استخدمت القوة استخداماً مفرطاً، على حساب أرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم. وتود اللجنة، في الوقت ذاته، أن تعرب عن هولها لمقتل احتياطيين عسكريين إسرائيليين على أيدي حشد من الغوغاء في رام الله، في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2000، ولمقتل إسرائيليين، عند موقف للحافلات في تل أبيب، على يدي سائق حافلة فلسطيني في 14 شباط/فبراير 2001، ولحوادث مماثلة كان لها أثر كبير في إلهاب مشاعر الرأي العام الإسرائيلي ضد الانتفاضة الفلسطينية.

52. وليس ثمة ما يدل على أن قوة الدفاع الإسرائيلية قد اتخذت خطوات جادّة للتحقيق في حوادث قتل الفلسطينيين وجرحهم، باستثناء بضع حالات، حتى عندما توحي الظروف والملابسات إيحاء قوياً بأن الجنود قد تصرفوا تصرفاً يعوزه الانضباط أو لا يتصف بالشرعية. أما ذريعة أن ليس ثمة ما يقتضي التحقيق في هذه الحوادث، نظراً لوصف النزاع بأنه نزاع مسلح، فهي غير مقنعة، وتنم عن استهانة باتفاقية جنيف الرابعة، التي تقتضي، من الدولة المحتلة، محاكمة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة لأحكام الاتفاقية وغيرها من الإخلالات بأحكامها (المادة 146). وكذلك فإن الأسباب، التي ساقتها السلطة الفلسطينية لامتناعها عن التحقيق في حوادث قتل الإسرائيليين، وإحالة المسؤولين عنها إلى القضاء، وخاصة المسؤولين عن حوادث القتل الغوغائي، التي وقعت في رام الله، هي أيضاً أسباب غير مقنعة.

سادساً عمليات الإعدام بدون محاكمة/الاغتيالات السياسية

53. إن ما أقدمت عليه قوة الدفاع الإسرائيلية، من عمليات إعدام بدون محاكمة، أو اغتيالات تستهدف شخصيات سياسية معيَّنة، لم تسفر إلا عن عدد قليل من الوفيات، ولا يمكن مقارنتها، من حيث حجمها، بالمعاناة الأوسع انتشاراً، التي سبّبتها هذه القوة للسكان الفلسطينيين. ومع ذلك، فقد قررت اللجنة إيلاء اهتمام خاص لحوادث القتل هذه، نظراً لما تم رسمياًَ من اعتراف بها وتشجيع لها وتغاض عنها.

54. إن إسرائيل متَّهمة، منذ أمد طويل، بأنها مسؤولة عن اغتيال فلسطينيين معيَّنين مستهدفين، غير أنه لم يتم الإقرار رسمياً بهذه الممارسة، والدفاع عنها على أعلى مستويات الحكومة في إسرائيل، إلا في أثناء الانتفاضة الثانية. ففي مطلع يناير 2001، قال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، إفراييم سنيه، مبرراً هذه السياسة: "بوسعي أن أشرح لكم، بلا التباس، ماهية هذه السياسة: إذا أقدم أحد على ارتكاب اعتداءات إرهابية، أو كان يخطط للقيام بذلك، فلا بد من توجيه ضربة إليه ... وهي فعالة ومحكمة وعادلة". وفي اجتماع للجنة الشؤون الخارجية والدفاع، صاغ رئيس الوزراء إيهود باراك هذه المقولة بعبارات أعم، حيث قال: "إذا كان أناس يطلقون النار علينا ويقتلوننا، فخيارنا الوحيد هو رد الضربة. إن بلداً يتعرض للتهديد الإرهابي لا بد له أن يتصدى لذلك". وفي أثناء زيارة قام بها السيد باراك إلى أحد مراكز القيادة العسكرية في الضفة الغربية، نُقل عنه قوله، بعبارات أكثر تحديداً، "إن لقوة الدفاع الإسرائيلية الحرية في التصدي لمن يسعون إلى إيذائنا".

55. وهناك مزيد من التصريحات الرسمية، التي تؤكد حق إسرائيل بتنفيذ عمليات إعدام بلا محاكمة. فعندما سئل القائد العسكري للضفة الغربية في قوة الدفاع الإسرائيلية، العميد بَني غانتز، عما إذا كانت إسرائيل تنتهج سياسة "تصفية"، إزاء الفلسطينيين، أجاب قائلاً: "أنت الذي قلت تصفية، لست أنا. إننا سنتصرف حسب دواعي الضرورة. ولن نكف عن اتخاذ إجراء من هذا القبيل، طالما كان هناك تهديد". أما رئيس الأركان الإسرائيلي، شاؤول موفاز، فاستشهد بالفتوى الصادرة عن المدعي العام العسكري، والتي تجيز قتل إرهابيين فلسطينيين في حالات استثنائية، شارحاً ذلك بالعبارات المتحفظة التالية: "هذا ليس أمراً اعتيادياً، بل إنه أسلوب استثنائي، هدفه إنقاذ أرواح بشرية في غياب أي بديل آخر... وهو يُستخدم ضد أشخاص، تم تحديد هويتهم جزماً على أنهم عملوا ويعملون على ارتكاب اعتداءات ضد إسرائيل". وينبغي التنويه بأن المدعي العام العسكري يستخدم عبارات أكثر تحديداً، مما يستخدمه الزعماء السياسيون، والقادة العسكريون، لكن مبادئه التوجيهية تطبق ذاتياً تبعاً لدقة الاستخبارات الإسرائيلية، ولحسن النية في إبقاء هذه الأساليب مقتصرة على الظروف ذات الطابع الاستثنائي.

56. ومن الأمثلة البارزة على الاغتيال السياسي مقتل الدكتور ثابت أحمد ثابت في طولكرم بالضفة الغربية بنيران أحد القناصة، بينما كان يقود سيارته من منزله صباح يوم 9 ديسمبر 2000. وكان الدكتور ثابت طبيب أسنان في الخمسين من عمره، له ثلاثة أبناء، ويشغل مناصب رسمية في وزارة الصحة الفلسطينية، ويلقي محاضرات عن الصحة العامة في جامعة القدس المفتوحة. وكان يعمل أميناً لحركة فتح في طولكرم، وله اتصالات منتظمة بالمنظمات غير الحكومية الإسرائيلية العاملة في مجال الصحة وحقوق الإنسان. وأعرب العديد من الشهود الإسرائيليين، الذين مثلوا أمام اللجنة عن ارتياعهم لمقتل الدكتور ثابت، واصفين إياه بأنه "صديق" و"شريك" لهم في السعي إلى السلم. هذه العبارات لا تستبعد إمكانية أن الدكتور ثابت ربما كانت له شخصية مزدوجة، لكن إسرائيل لم تقدم دليلاً على ضلوعه في أعمال عنف ضد أهداف إسرائيلية، ما عدا ادعاء مبهماً عن تورطه في "نشاطات إرهابية". وأفادت تقارير صحفية أن القوات الخاصة الإسرائيلية قد اتخذت هذا الإجراء، ضد الدكتور ثابت بصفته جزءاً من عملية عسكرية، تهدف إلى "تطهير" القدرات الأمنية لحركة فتح، نظراً للمظاهرات الجارية داخل الأراضي الفلسطينية، وفي طولكرم تحديداً. وتقدمت السيدة سهام ثابت، أرملة الدكتور ثابت، بالتماس إلى المحكمة العليا لإسرائيل، طالبة إنهاء "سياسة التطهير"، التي تنتهجها إسرائيل، واصفة هذه السياسة، بأنها تطبق "حكم الإعدام بلا محاكمة". ورُفض الالتماس. وبقدر ما هو معروف، فإن النيابة العامة لم تقدم أدلة إضافية تجرِّم الدكتور ثابت.

57. وفي أثناء وجود أعضاء اللجنة في الأراضي الفلسطينية، حدثت حالة بارزة أخرى من حالات الإعدام بلا محاكمة. فقد قامت طائرة عمودية، من طراز كوبرا، مجهزة بالصواريخ والمدافع الرشاشة بإطلاق ثلاثة صواريخ على مسعود عيّاد في 14 فبراير 2001 بينما كان يقود سيارته في غزة، بالقرب من مخيم جباليا للاجئين. وكان السيد عيّاد ضابطاً برتبة مقدم، ومن كبار أعضاء القوة 17، وهي وحدة أمنية مختارة، تتولى تحديداً مهمة حماية السيد ياسر عرفات. وأقرت قوى الأمن الإسرائيلية بمسؤوليتها عن عملية الاغتيال، زاعمة أن السيد عيّاد كان من قادة وحدة تابعة لحزب الله في غزة، تعتزم تحويل الانتفاضة الثانية إلى حرب استنزاف، على غرار الحرب، التي شنها حزب الله في لبنان، في التسعينات، بنجاح. وبصرف النظر عن شرعية هذه الأساليب، فلم تُنشر أي أدلة مستندية أو غيرها من الأدلة، بما يثبت صحة هذه الادعاءات.

58. إن عدد ما نُفِّذ في أثناء الانتفاضة الثانية، من عمليات إعدام بلا محاكمة، من هذا النوع، لا يقل عن 11 عملية، لكنه قد يكون أعلى من ذلك بكثير. وتقدر مصادر فلسطينية ومصادر مستقلة عددها، بما يراوح بين 25 و35 عملية إعدام. ففي واحدة منها على الأقل، هي عملية إعدام حسين عبيّات، التي نُفِّذت في 29 نوفمبر 2000، حين أطلقت طائرات عمودية صواريخ مضادة للدبابات على سيارته، قتلت أيضاً امرأتان من بين المارَّة، وأصيب ثلاثة فلسطينيين آخرين بجراح خطيرة.

59. وفي تصعيد كلامي مقلق، فيما يتصل بهذا العنف، نُقل، عن أحد المتحدثين باسم حركة يهوشوا مور ـ يوسف الاستيطانية، قوله إن "عرفات عدو، وهو لم يكن شريكاً قـط. فبعد سبع سنوات من الحرب ومن إيعازه لشعبه لأن يَقتُل، لا بد لنا أن نغتاله." صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيـون، 27 فبراير 2001، الصفحة 8".

60. لقد صدر العديد من الإدانات السياسية الهامة لعمليات الإعدام بلا محاكمة. فقد اتخذت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية موقفاً انتقادياً من هذه العمليات، في عرض مفصل لهذه الممارسة، ورد في فرع "الأراضي المحتلة" من التقارير القطرية، عن ممارسات حقوق الإنسان، في عام 2000، الصادرة عن وزارة خارجية الولايات المتحدة. وأصدرت رئاسة الاتحاد الأوروبي إعلاناً، بشأن عمليات الإعدام بلا محاكمة، واصفة إياها بأنها "غير مقبولة، ومنافية لقواعد القانون"، وحثت إسرائيل على "أن تكف عن هذه الممارسات؛ مراعاةً لأحكام القانون الدولي". (بروكسل، 13 شباط/فبراير 2001، 5928/1 (البيان الصحفي 47)). وأحال مجلس الاتحاد الأوروبي هذا الإعلان، رسمياً، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، طالباً إليه تعميمه كوثيقة من وثائق الجمعية العامة.

61. وترى اللجنة أنه، بصرف النظر عن حقيقة الادعاءات المختلفة الموجهة ضد أفراد معيَّنين، فإن ممارسة الاغتيال السياسي، هي انتهاك أساسي لمعايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن كونها إخلالاً جسيماً بأحكام اتفاقية جنيف الرابعة. وإن العديد من صكوك حقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تؤكد الحق في الحياة، وتحظر تحديداً عمليات إعدام المدنيين بلا محاكمة، وبدون إجراءات قضائية عادلة.

62. ونظراً لأن قانون الاحتلال، الذي تنص عليـه اتفاقية جنيف الرابعة، يسري، أيضاً، على حالة الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن أحكام هذا القانون الخاص، لها الأسبقية على حقوق الإنسان. (للاطلاع على توضيح لهذا الاستنتاج، انظر البحث الوارد في الفرع رابعاً أعلاه، بشأن الوضع القانوني للنزاع). وعليه، فإن مسألة، ما إذا كان يتعين اعتبار مقتل شخص ما خسارةً تعسفيةً في الأرواح تتعارض مع أحكام المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هي مسألة لا يمكن البت فيها، إلا بالرجوع إلى قانون الاحتلال، الوارد في اتفاقية جنيف الرابعة. فالمادة 4 من هذه الاتفاقية تعرِّف الأشخاص، الذين تحميهم الاتفاقية، بأنهم "الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان، في حالة قيام نزاع أو احتلال، تحت سلطة طرف في النزاع، ليسوا من رعاياه، أو تحت دولة احتلال ليسوا من رعاياها". وعبارة "تحت سلطة" تعني وجود الشخص في أراضٍ تسيطر عليها الدولة موضع البحث، وتتجاوز هذه السيطرة مجرد السيطرة المادية. ويفقد المدنيون الحماية المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الرابعة عندما يصبحون مقاتلين، ويقومون بدور مباشر في الأعمال العدائية (المادة 51 (3) من البروتوكول الإضافي الأول). وتقول إسرائيل إن الضحايا المستهدفين في الاغتيالات السياسية كانوا مقاتلين. وهذا قول غير مقنع لسببين متصلين: فهم لم يكونوا مشاركين في الأعمال العدائية، وقت قتلهم؛ ولم تقدم إسرائيل أدلة تؤيد ادعاءها قيامهم بدور قتالي، على الرغم من مظهرهم المدني.

63. ولا يوجد أساس قانوني يجيز قتل الأشخاص المحميين، بناء على اشتباهٍ بقيامهم، أو بإمكانية قيامهم مستقبلاً، بأنشطة أو عمليات خطرة مفترضة، أو حتى بناء على أدلة على ذلك. بل على نقيض ذلك، فإن المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على احترام الأشخاص المحميين، والمادة 32 تحظر صراحةً قتلهم في ظل أوضاع من هذا القبيل، والمادة 68 تضع قيوداً على تطبيق عقوبة الإعدام، وتشترط، في أي حال، محاكمة قضائية مسبقة.

64. وتبين الأدلة أن الدكتور ثابت، شأنه في ذلك شأن أشخاص عديدين آخرين، وقعوا ضحايا للاغتيالات السياسية، كان يمكن إلقاء القبض عليه، عندما، كما في حالته هو، كان يقوم يومياً تقريباً برحلات إلى نقاط خاضعة لتفتيش رجال الأمن الإسرائيليين. وتخلص اللجنة إلى أن الممارسة المتمثلة في الاغتيال السياسي المستهدَف، وهي ممارسة تقر بها تماماً حكومة إسرائيل على أرفع مستوياتها، تشكل إخلالاً بعدد من أحكام اتفاقية جنيف الرابعة، كما تشكل خرقاً جسيماً للاتفاقية، التي تشير في المادة 147 منها، إلى "القتل العمد" في هذا الصدد. وعلاوة على ذلك، فإن المادة 146 تطلب إلى الأطراف السامية المتعاقدة إنفاذ هذا الحظر على المسؤولين عن خرقه.

سابعاً. المستوطنات

65. إن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، (بما في ذلك القدس الشرقية)، وغزة، هي عامل بارز في النزاع الراهن بين إسرائيل والشعب الفلسطيني. ويركز هذا التقرير على ما يترتب على المستوطنات من آثار بالنسبة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، في أثناء الانتفاضة الثانية.

66. وتجادل إسرائيل بـأن قضية المستوطنات اليهودية هي قضية سياسية، يتعين تسويتها في مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، على المستقبل السياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة. أما الفلسطينيون فهم يرون، في قضية المستوطنات، عائقاً رئيسياً، أمام العملية السلمية، ومسألةً تُنَظِّمها أحكام القانون الدولي. وهم يجادلون بأن المستوطنات غير مشروعة؛ لأنها مخلة بأحكام المادة 49 (6) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي لا تجيز لدولة الاحتلال أن تنقل جزءاً من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وقد أيد المجتمع الدولي، بغالبيته العظمى، الموقف الفلسطيني. وصدرت عن كل من مجلس الأمن والجمعية العامة، مراراً وتكراراً، قرارات تدين إنشاء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة، باعتبارها مخلةً بأحكام اتفاقية جنيف الرابعة. وتتخذ لجنة الصليب الأحمر الدولية موقفاً مماثلاً إزاء المستوطنات.

67. أما لجنة حقوق الإنسان، فهي ترى أن المستوطنات اليهوديـة في الضفة الغربية وغزة، تخل بأحكام المادة 49 (6) من اتفاقية جنيف الرابعة، وتضع عقبة خطيرة في طريق السلم المستديم.

68. ومنذ عام 1967، ما فتئت إسرائيل مسؤولة عن إقامة مستوطنات يهودية في الضفة الغربية وغزة، وعن تمويل هذه المستوطنات وحمايتها. وكانت إسرائيل في بادئ الأمر تسوق أسباباً أمنية لتبرير برنامج الضم الزاحف، الذي ما برحت تطبقه، عن طريق مصادرة الأراضي الفلسطينية واحتلالها. وقد تخلت عن هذه الذريعة، منذ أمد بعيد. فعندما كان إسحاق رابين رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع، أقر بأن معظم المستوطنات لا تضيف شيئاً إلى الأمن، بل إنها تشكل عبئاً على الجيش. ومعظم المستوطنات يقطنها، اليوم، مستوطنون مدنيون، إما لدوافع أيديولوجية التوسع الصهيوني، أو لأسباب الراحة، التي توفرها المعيشة في الضواحي، مع ما تقدمه لهم حكومة إسرائيل من إعانات. أما وجهة نظر الحكومة، في هذا الشأن، فهي أن المستوطنات تفضي إلى إيجاد حالات على أرض الواقع، تساعد على بسط السيطرة السياسية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

69. وتوجد اليوم نحو 190 مستوطنة في الضفة الغربية وغزة، يقطنها قرابة 000 380 مستوطن، يعيش نحو 000 180 منهم في منطقة القدس الشرقية. وقد توسعت المستوطنات توسعاً كبيراً، منذ بدء عملية أوسلو السلمية، وتسارعت خطاها في أثناء فترة تولي السيد باراك رئاسة مجلس الوزراء. وما برحت المستوطنات تتوسع، منذ بدء الانتفاضة الثانية. وتبين الخريطة، الواردة في المرفق الثالث، مدى انتشار المستوطنات في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، كما تبين عدد سكان مختلف المستوطنات. وتختلف المستوطنات اختلافاً كبيراً في حجمها وموقعها. فعدد السكان في بعضها يتجاوز 000 10 نسمة، بينما يقل في بعضها الآخر عن 100 نسمة. وبعضها يبعد مسافة كبيرة، عن المدن والبلدات الفلسطينية، بينما يقع بعضها الآخر داخلها، وأبرز هذه الحالات المستوطنة اليهودية الموجودة في الخليل، أو يقع على عتبة قرية فلسطينية أو مخيم من مخيمات اللاجئين. فمستوطنة نيفهِ ديكاليم، مثلاً، متاخمة لمخيم خان يونس المكتظ باللاجئين. وفي هذا المكان، تَعَرَّض أعضاء اللجنة لإطلاق النار من قوة الدفاع الإسرائيلية.

70. وفي غزة، تمر الطرق المؤدية إلى المستوطنات عبر الأراضي الفلسطينية، وتتقاطع مع طرق يستخدمها الفلسطينيون، مما يسبب اختناقات في حركة مرور المركبات الفلسطينية، التي يتعين عليها التوقف، كلما اقتربت من تقاطعات الطرق مركبة تابعة للمستوطنين، أو مركبة عسكرية. أما في الضفة الغربية، فقد شيدت إسرائيل شبكة طرق ضخمة، يبلغ طولها نحو 400 كيلومتر، تتجنب المراكز السكانية الفلسطينية، وتمكن المستوطنين والقوات العسكرية، التي تتولى حمايتهم، من التنقل بسرعة وأمان، عبر الضفة الغربية. ومن أجل إنجاز هذا المشروع، صودر 000 160 دونم من الأراضي، كان الفلاحون الفلسطينيون يقومون بزراعة مساحات كبيرة منها. وعلاوة على ذلك، فقد تم، في بعض الحالات، تدمير بيوت فلسطينية، من دون تعويض سكانها؛ لغرض تشييد هذه الشبكة من الطرق الالتفافية. إن هذه الطرق تحول دون توسع القرى الفلسطينية، وتعمل على تقويض التنمية الاقتصادية للفلسطينيين، بتقييدها حركتهم، وإعاقتها تدفق التجارة والعمال من منطقة فلسطينية إلى أخرى. وإن حجم الإنفاق على شبكة الطرق هذه، يثير أسئلة مقلقة عن نوايا إسرائيل الطويلة الأجل، فيما يتعلق بالضفة الغربية.

71. إن العلاقة بين المستوطنين والفلسطينيين علاقة محزنة، وكل طرف ينظر إلى الطرف الآخر بعين من الحقد والغضب والارتياب. وقد اقترف المستوطنون العديد من أفعال العنف ضد الفلسطينيين، وأتلفوا أراضي زراعية وممتلكات فلسطينية، متمتعين بحمايـة عسكرية إسرائيلية، وإعفاء من الولايـة القضائية لمحاكم السلطة الفلسطينية والقضاء الإسرائيلي، في كثير من الأحيان، فهو إما يتغاضى عن هذه الأفعال، أو يعامل مرتكبيها برأفة، تكاد تبلغ حد التبرئة. ولم يكن بد لذلك من أن يثير استياء الفلسطينيين، الذين يعتبرون القضاء الإسرائيلي متحيزاً للمستوطنين. ومنذ اندلاع الانتفاضة في 29 أيلول/سبتمبر 2000، ازدادت حوادث العنف من جانب المستوطنين زيادة لافتة، كما ازداد عداء الفلسطينيين للمستوطنين زيادة رهيبة. فمعظم الإسرائيليين، الذين قتلوا في النزاع الراهن، كانوا من المستوطنين، أو الجنود المكلفين بحماية المستوطنات والطرق المؤدية إليها.

72. وتشكل المستوطنات عقبة رئيسية أمام السلم بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فهي، أولاً، تحول، عملياً، دون إمكانية إقامة دولة فلسطينية لها مقومات البقاء، لأن هذه المستوطنات، إلى جانب شبكة الطرق، التي تصل بينها، تشكل وبالاً على سلامة أراضي فلسطين، إذ إنها تشكل عائقاً رئيسياً لممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، داخل وحدة فلسطين المعترف بها دولياً، ألا وهي الأراضي، التي احتلتها إسرائيل إثر حرب 1967. وهي، ثانياً، تقدم دليلاً يومياً على انتهاك القانون الدولي، وعجز المجتمع الدولي، الذي يتصرف من خلال الأمم المتحدة والأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف، عن معالجة هذه الحالة. إن ما ينتاب المجتمع الفلسطيني من يأس وقنوط، بشأن مدى رغبة المجتمع الدولي في إنفاذ حكم القانون، ومدى استعداده لذلك، هو شعور يعزى بدرجة كبيرة إلى عجز المجتمع الدولي، عن وقف تنامي أعداد المستوطنين، وحمل حكومة إسرائيل على الكف عن هذه الممارسة.

73. إن الصلة، بين الاستيطان والعنف في الانتفاضة الراهنة، واضحة. فكثير من أفعال العنف، التي نُسبت إلى قوة الدفاع الإسرائيلية والمستوطنين، والتي أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى بين الفلسطينيين، قد حدثت على الطرق المحمية المؤدية إلى المستوطنات، أو بالقرب من المستوطنات. فالمستوطنات توفر للفلسطينيين هدفاً ظاهراً وقريباً، يصبون فيه جام غضبهم، الذي أذكت ناره سنوات من الاحتلال الإسرائيلي. إن قوافل قوة الدفاع الإسرائيلي وقواعدها الموجودة بالقرب من المستوطنات، والتي تتولى حماية هذه المستوطنات، ما برحت مقصداً للمتظاهرين الفلسطينيين وهدفاً لعنفهم وقنَّاصتهم. وكذلك فإن كثيراً مما قامت به قوة الدفاع الإسرائيلية، من تدمير وجرف للممتلكات الفلسطينية، لم تقم به من أجل الأمن العسكري، بل من أجل أمن المستوطنين. فقد أقدمت هذه القوة على تدمير المنازل وإتلاف أشجار الفواكه والزيتون والمحاصيل الزراعية، كيما يشعر المستوطنون بقدر أكبر من الأمان، وتيسيراً لهم للوصول إلى مستوطناتهم، بواسطة الطرق، التي تحميها من أجلهم.

74. والمستوطنون، بدورهم، قد عانوا نتيجة وجودهم بالقرب من الشعب الفلسطيني. وهم، بوصفهم أكثر رموز الاحتلال ظهوراً، يشكلون بالطبع أهدافاً جليةً للمسلحين الفلسطينيين.

75. وليس من شك في أنه، لو لم يكن هناك مستوطنات أو مستوطنون، لكان عدد الوفيات والإصابات في الانتفاضة الراهنة أقل كثيراً، مما هو حالياً، بل لربما لم تكن هذه الانتفاضة قد حدثت. ومن ثم، فإن الإسرائيليين والفلسطينيين، على السواء، يدفعون ثمناً باهظاً بأرواحهم وسلامتهم الجسدية وممتلكاتهم، من أجل برنامج يخل بمبدأ أساسي من مبادئ القانون الإنساني الدولي.

76. إن المستوطنات هي تذكير دائم للشعب الفلسطيني، بما يمثله الاحتلال العسكري من إذلال. ومما يزيد من هذا الشعور بالمذلة، ما يتراءى لهم من عيش رغيد، ينعم به المستوطنون، هذا المستوى المعيشي، الذي شتان بينه وبين ما يكابده جيرانهم الفلسطينيون من فقر. فاللاجئون، الذين يعيشون في مخيمات مكتظة، تفتقر إلى مرافق النظافة الصحية، وتنقصها الموارد المائية، لا بد أن يشعروا بالحسد والغضب، حيال ما يوجد لدى المستوطنين في مستوطناتهم، من مسابح ومروج خضراء مروية.

77. إن مَن مَثُل أمام اللجنة، من شهود فلسطينيين، من جميع شرائح المجتمع، على الرغم من اختلاف انتماءاتهم السياسية واختلاف فئات دخلهم، قد تحدثوا، بقدر مماثل من الغضب والاستياء، عن وجود المستوطنات والمستوطنين في أراضيهم. وادعى كثيرون منهم أن المستوطنات هي سبب رئيسي من أسباب الانتفاضة الراهنة، وهو رأي تشاطرهم فيه منظمات دولية عاملة في الضفة الغربية وغزة.

78. إن اللجنة تؤكد، مجدداً، أن المستوطنات في الضفة الغربية وغزة، تشكل انتهاكاً جسيماً لأحكام القانون الإنساني الدولي، وتقر بأن وجود المستوطنات والمستوطنين، هو سبب رئيسي لكثير من انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.