إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)









أمن البحـــر الأحمــر

ثامناً. الحرمان من التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية: آثار إجراءات الإغلاق وحظر التجول والقيود على الحركة وتدمير الممتلكات

ملاحظة تمهيدية

79. لا بد ألا يغيب عن البال أن السكان الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة، هم، حتى في الظروف الطبيعية، شديدو الفقر، وخاصة الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين ونسبتهم 50%. ولا بد أن يؤدي فرض أعباء إضافية، على هؤلاء السكان، إلى وجود أنماط من المشاق المادية والاجتماعية والنفسية. وتنطوي تلك المشاق على حرمانهم، من احتياجات الإنسان الضرورية، التي تحميها المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مما يثير قضايا مهمة، تتعلق بالقانون الدولي. والادعاء بوجود مبررات أمنية لسياسات تلحق هذه الأضرار الفادحة، يشكل عبء إقناع ثقيلاً على المدعي، وهو في هذه الحالة حكومة إسرائيل. ويبدو أن للإغلاق الداخلي طابعاً عقابياً أساساً، لا صلة له إطلاقاً بالأمن، والأرجح أن يكـون له أثـر عكسي، هو تأجيج المقاومة الفلسطينية. بل إن الإغلاق الخارجي، وخاصة بالنسبة لاستيراد مواد البناء وتصدير المنتجات الزراعية، لا تبدو لـه صلة بصون الأمن. فيجب أن يُقرأ العرض المكثف لآثار الإغلاق، وما يتصل به من سياسات في هذا الفرع من التقرير، مع أخذ هذه الاعتبارات في الحسبان.

القيود على الحركة

80. تفرض إسرائيل، منذ 29 سبتمبر 2000، قيوداً مشددة على حرية الحركة في الأراضي المحتلة. وخلال فترة ال‍123 يوماً، من أكتوبر 2000 حتى 31 يناير 2001، أُغلقت الحدود الإسرائيلية الفلسطينية، أمام تدفقات العمالة والتجارة، لمدة 93 يوماً، أو بنسبة 75.6% من الوقت. ونفذت القيود على الحركة الداخلية والإغلاقات الداخلية، جزئية أو مشددة، بنسبة 100% من الوقت في الضفة الغربية، وبنسبة 89% من الوقت في غزة. وأغلق مطار الدهنية في قطاع غزة، وهو المطار الفلسطيني الوحيد، لأكثر من نصف تلك الفترة. وخلال فترة الـ123 يوماً هذه، أغلقت المعابر الحدودية الدولية إلى الأردن من الضفة الغربية، وإلى مصر من غزة، لأكثر من 20% و40% من الوقت على التوالي. أما الممر الآمن، الذي يربط قطاع غزة بالضفة الغربية، فقد أغلق منذ 6 أكتوبر، معطلاً بشدة لسفر الفلسطينيين، ومقللاً للفعالية الحكومية للسلطة الفلسطينية.

81. ويرى الفلسطينيون المتضررون أن الأثر التراكمي، لهذه القيود على حرية الحركة بالنسبة للأشخاص والبضائع، إنما هو حصار، وذلك أمر مفهوم. فقد أسفر عن صعوبات اجتماعية، اقتصادية قاسية في الأراضي الفلسطينية. فقد أفضت عمليات الإغلاق الداخلي بالفعل إلى تجميد مراكز السكان الفلسطينية، وقيدت الحركة بين موقع وآخر. ويعني تقييد دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل حرمانهم من الوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل، وهؤلاء يقدر عددهم بأنه (100,000) فلسطيني. وتجيء النتائج الاقتصادية كاسحة: فقد أصبحت أسر هؤلاء العاملين تقاسي الآن الحرمان الكامل، من الدخل الذي يهددهم بالعوز. وتحقق تقريباً توقع البنك الدولي بأن أثر الإغلاق يرفع معدل البطالة إلى 50%، ومعدل الفقر إلى 43.7% في عام 2001.

الإغلاق الداخلي

82. يعطل الإغلاق الداخلي مظاهر الحياة داخل الأراضي. فالعمال لا يستطيعون الوصول إلى أماكن عملهم. ويتعذر وصول المنتجات من المزارع إلى الأسواق. ولا تتمكن المتاجر والمكاتب التجارية من تأدية عملها. ومنذ 8 أكتوبر، تفرض قيود عديدة على المرور بين شمال وجنوب قطاع غزة وعلى الحركة بين مدينة غزة، ومدينتي خان يونس ورفح، بالكامل تقريباً. وقاربت الحركة، داخل الضفة الغربية، أن تصبح مستحيلة. ونصبت قوات الدفاع الإسرائيلية المئات من نقاط التفتيش، في كل أنحاء الضفة الغربية، وأصبح الدخول إلى المدن والخروج منها، يتطلب المرور عبر هذه النقاط. ونصبت قوات الدفاع الإسرائيلية نقاط تفتيش، عند مداخل القرى جميعها، ولم يبق من الممكن أن يتم الدخول والخروج، إلا من الطرق القذرة، مما ينطوي على الكثير من المشاق. وأصبحت الرحلة، التي كانت تستغرق 15 دقيقة، تستغرق الآن عدة ساعات. وفي بعض القرى الواقع معظمها قرب المستوطنات والطرق الالتفافية، سدت الطرق القذرة أيضاً بالطوب الإسمنتي الكبير، وأكوام القاذورات، فحبس القرويون في قراهم. وقد لاحظت اللجنة بنفسها نقاط التفتيش، التي أقامتها قوات الدفاع الإسرائيلية والكتل الإسمنتية وأكوام القاذورات، التي تسد الطرق.

الإغلاق الخارجي

83. إن إغلاق معابر الحدود الدولية، مع الأردن ومصر، ثم القيود على حركة البضائع من إسرائيل إلى الأراضي، أحدثا آثاراً سلبية مباشرة، على كل قطاعات الاقتصاد. وأدى التعطيل شبه الكلي لإمدادات مواد البناء الأساسية، إلى إغلاق المصانع والمعامل المعتمدة على هذه المواد، في نشاطاتها الإنتاجية. وتوقف قطاع التشييد والبناء في الأراضي الفلسطينية، عملياً، بسبب منع قوات الدفاع الإسرائيلية واردات مواد البناء الأساسية كالإسمنت والصلب والأخشاب من الدخول، عن طريق سيطرتها على نقاط التفتيش الحدودية. وأسفر هذا بدوره عن بطالة عشرات الآلاف من العمال والموظفين في قطاع التشييد والبناء. ونجم عن التعطيل الكلي للاقتصاد وعن البطالة، فضلاً عن القيود على التنقل وإغلاق الحدود، معدل بطالة متوسطة 38% (أكثر من 000 250 شخص)، مقابل 11% (000 71 شخص) في الشهور التسعة الأولى من عام 2000. ويشير أحد التقديرات إلى أن البطالة تؤثر الآن، بصورة مباشرة، على دخل نحو 000 910 شخص، أي بنسبة 30% من السكان.

حظر التجول

84. يفرض حظر التجول، في مناطق معينة من الأراضي المحتلة، وهو في الواقع يحبس سكانها جميعاً في ديارهم. وعلى سبيل المثال، فالفلسطينيون، في المنطقة H2 من منطقة الخليل، ظلوا مفروضاً عليهم حظر التجول، بصفة شبه مستمرة، منذ أكتوبر 2000. ويبدو أن هذا الحظر مفروض لإراحة المستوطنين في المنطقة، فهو غير مفروض عليهم. ويأتي طابع وتوقيت هذه القيود الإسرائيلية على حرية الحركة تحدياً لمفهوم أن هذه القيود تقتضيها دواعي أمنية صرفة: فقد فرضت إسرائيل إغلاقاً كاسحاً، وحظر تجول، وحصاراً على ملايين البشر، لا على أفراد يشكلون تهديداً أمنياً. وفضلاً عن هذا فسياسة تقييد الحركة تميز بين نوعين من السكان، الذين يعيشون في الأراضي المحتلة، هما الفلسطينيون وغير الفلسطينيين، إذ إن القيود تفرض بشكل حصري على السكان الفلسطينيين. وفي حالات كثيرة، يكون الغرض المعلن من فرض القيود، هو كفالة حرية حركة السكان المستوطنين، على حساب السكان المحليين.

الآثار الاقتصادية السلبية

85. في حالة عدم وجود إغلاقات حدودية، كان دخل الفرد يقدر بنحو 000 2 دولار في الأراضي الفلسطينية في عام 2000. ونتيجة لإغلاقات الحدود وللقيود على الحركة الداخلية يقدر أن ينخفض هذا الرقم إلى 680 1 دولاراً، أي أنه هبط بنسبة 16 في المائة. غير أن ثقل هذا الأثر السلبي يقاس بالأثر العالي غير المتناسب على من يعيشون تحت خط الفقر، (ويقدره البنك الدولي بمعدل 2.10 دولار للفرد، يومياً في الإنفاق الاستهلاكي). ويقدر أن عدد الفقراء قد ارتفع من نحو 000 650 شخص، إلى مليون شخص، وهي زيادة تفوق 50 في المائة. ونظراً لاستمرار الإغلاقات والقيود على حركة الناس والبضائع، وما ينجم عنها من بطالة، وحرمان كامل من الدخل، بالنسبة إلى أعداد متزايدة من السكان، فإن الفقر وما يقرب من العوز يتصاعدان. وقد زادت المساعدة الإنسانية زيادة كبيرة.

الخسائر الاقتصادية

86. تقدر الخسائر الاقتصادية المباشرة، الناجمة عن القيود على الحركة، بنسبة 50% من الناتج المحلي الإجمالي، في فترة الشهور الأربعة للانتفاضة الثانية، وبنسبة 75% من الإيراد المكتسب من الأجور للعمال الفلسطينيين في إسرائيل. وتقدر الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي بمبلغ 907.3 مليون من دولارات الولايات المتحدة الأمريكية، بينما الخسارة في الإيراد من العمل في إسرائيل، تقدر بمبلغ 243.4 مليون من دولارات الولايات المتحدة الأمريكية. ويقدر مجموع الخسائر بمبلغ 150.71 مليوناً من دولارات الولايات المتحدة. وتصل الخسارة إلى نحو 11 مليون دولار، عن كل يوم عمل، أي 3 دولارات للفرد في كل يوم عمل، خلال الفترة من 1 أكتوبر 2000 إلى 31 يناير 2001. وقد أبلغ عن انخفاض كبير في حصائل قطاع النقل؛ نتيجة للحصار الداخلي. أما قطاع السياحة فقد أفيد أيضاً أنه انخفض بشكل حاد.

الخسائر في عائدات القطاع العام: خسائر العائدات وزيادة الإنفاق الاجتماعي

87. حدثت خسائر فادحة في القطاع العام، أتت على هيئة عائدات مفقودة. فقد انخفضت عائدات الإيرادات المحلية، وضريبة القيمة المضافة، نتيجة لانخفاض مستويات الإيرادات المحلية بسبب تعطلات الإنتاج وانخفاض تدفقات العمالة إلى إسرائيل. أما العائدات الخارجية، وأساساً من الجمارك وضريبة القيمة المضافة المرتبطة بالواردات من إسرائيل والخارج، فقد انخفضت بفعل تدني تدفقات السلع، بسبب القيود على الحركة وانخفاض الطلب من المستهلكين. وفي عام 1999 كان 63% من كل عائدات السلطة الفلسطينية، على هيئة تحويلات مقبوضات حصلتها السلطات بموجب أحكام بروتوكول باريس لعام 1994، بشأن العلاقات الاقتصادية. وتقدر ضريبة القيمة المضافة، والضرائب الجمركي،ة وضريبة الدخل، والرسوم الصحية، وغيرها من الضرائب، التي تحصلها إسرائيل، نيابة عن السلطة المحلية، بمبلغ 53 مليون دولار أمريكي شهرياً. وقد حجزت هذه العوائد عن السلطة الفلسطينية، منذ أكتوبر 2000. ونتيجة لتآكل قاعدة العائدات، لم تتمكن السلطة الفلسطينية من دفع مرتبات موظفيها.

تدمير الممتلكات

88. لقد تواصل تدمير الممتلكات، وخاصة على مقربة من المستوطنات، والطرق الالتفافية، وطرق الوصول إلى المستوطنات، ويدعى أن ذلك يتم لضرورات عسكرية أو دواعٍ أمنية. وفي 7 أكتوبر 2000، غزت الدبابات والجرافات الإسرائيلية مفرق نتساريم، ودمرت عمارتين سكنيتين، بهما 32 مسكناً، قرب موقع عسكري إسرائيلي خارجي. وفي 8 أكتوبر، دمرت قوات الدفاع الإسرائيلي مصنعاً لتجهيز الحديد في منطقة نيساريم، بينما اكتسحت الجرافات، في المنطقة نفسها، الأراضي الزراعية إلى الجنوب الشرقي والجنوب الغربي من ملتقى الطرق. وفي 16 أكتوبر، اكتسحت الجرافات أراضي شمال مستوطنة نيف ديكاليم. وفي 19 أكتوبر، اكتسحت قوات الدفاع الإسرائيلية الأراضي الموصلة إلى كتلة مستوطنات غوش قطيف. وقد زارت اللجنة هذه المنطقة، وشهدت التدمير، الذي لحق المزارع، واكتساح الأراضي، وتدمير أشجار الحمضيات والزيتون. وتستمر إلى الآن عملية التدمير هذه للحقول وتقطيع أشجار الفواكه وإتلاف الصوبات المزروعة بالخضراوات. وتلقت اللجنة أدلة من الضحايا، الذين دمرت ديارهم ومزارعهم، واقتلعت أشجار الحمضيات والزيتون المملوكة لهم، واكتسحت الجرافات حقولهم.

89. ووفقاً لأحد التقديرات، فإن السلطات الإسرائيلية دمرت 223 مبنى للفلسطينيين، خلال عام 2000: منها 68 مبنى في الضفة الغربية (تشمل القدس الشرقية)، و155 مبنى في قطاع غزة.

تأثير الإغلاق وتقييد الحركة على الرعاية الصحية

90. تلقت اللجنة أدلة على القيود، التي تعوق وصول المرضى والجرحى والحوامل إلى المستشفيات. ثم إنه كانت ثمة حالات أدت فيها عمليات الإغلاق المطولة للحدود الخارجية، بما في ذلك المطار في غزة، إلى إعاقة نقل الجرحى الفلسطينيين، إلى بلدان أخرى للعلاج. ومن أمثلة تأثير الحرمان من الوصول إلى المستشفيات، ما تبينه البيانات الإحصائية الصادرة عن مستشفى سانت لوقا في نابلس، والتي أفادت عن انخفاض بنسبة 38% في معدل دخول المستشفى، وانخفاض بنسبة 29% في معدل شغل الأسرة، وانخفاض بنسبة 53% في عدد العمليات الجراحية، التي أجريت، وانخفاض بنسبة 20% في عدد المواليد، وانخفاض بنسبة 48% في عدد المرضى بوحدة العناية المكثفة، وانخفاض بنسبة 49% في عدد المرضى المعروضين على الممارسين العامين، وانخفاض بنسبة 73% في عدد الفحوص بالعيادات التخصصية، وانخفاض بنسبة 30% في عدد حالات العلاج الكيميائي، وذلك في الفترة من أكتوبر إلى نوفمبر 2000، مقارنة بالفترة نفسها من عام 1999.

تأثير عمليات الإغلاق وتقييد الحركة على التعليم

91. منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر 2000 وإلى الآن، تمت الإفادة عن إغلاق أكثر من 40 مدرسة أو عدم تمكنها من العمل؛ بسبب حظر التجول أو الإغلاق. وفي وسط الخليل، أغلقت 34 مدرسة، مما أسفر عن بطالة أكثر من 460 معلماً، وأفيد عن عدم توافر مرافق تعليمية لنحو 000 13 طالب. وأغلقت قوات الدفاع الإسرائيلية أربع مدارس فلسطينية في الخليل، وحولتها إلى قواعد عسكرية، وهي مدرسة المعارف، ومدرسة أسامة بن منقذ، ومدرسة جوهر، ومدرسة الأخوة. كما أفيد عن إجبار عدة آلاف من الأطفال على الانتقال بصورة دائمة من مدارسهم؛ نتيجة للأضرار، التي لحقت بالمباني المدرسية.

92. وكانت أكثر المدارس تضرراً هي القريبة من نقاط الاشتعال، وهي 173 مدرسة في الضفة الغربية و23 مدرسة في قطاع غزة، تعرضت إلى عدة أنواع من الاعتداءات، شملت القصف بقنابل الجيش الإسرائيلي ورصاص المستوطنين.

انتهاكات قواعد حقوق الإنسان المسلم بها دولياً، وانتهاكات القانون الدولي الإنساني

93. تشكل إجراءات الإغلاق وحظر التجول، أو تدمير الممتلكات على النحو الموصوف أعلاه، انتهاكات لاتفاقية جنيف الرابعة، وللالتزامات تجاه حقوق الإنسان الملزمة لإسرائيل. فتدمير الممتلكات محظور بموجب المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، ما لم يكن هذا التدمير ضرورة مطلقة للعمليات العسكرية، وهو ما لا يبدو أنه ينطبق على كثير من أعمال التدمير المنفذة. وانتهكت التزامات أخرى بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، من جراء الإغلاق، طبقاً للمواد 23 و55 و56. فهذه المواد تقضي بحرية مرور شحنات المواد الطبية ولوازم المستشفيات وبحرية مرور المواد الغذائية والملابس والأدوية المرسلة لفئات ضعيفة معينة من الأشخاص؛ وتفرض واجب كفالة وصول الأغذية والإمدادات الطبية إلى السكان، وكفالة وصيانة المنشآت، والخدمات الطبية، والمستشفيات، ومنشآت الصحة العامة، والصحة الشخصية في الأراضي المحتلة.

94. كما أن قواعد حقوق الإنسان تنتهك، في سياق عمليات الإغلاق؛ لأن إسرائيل والمجلس الفلسطيني قبلا في الاتفاق الانتقالي أن يمارسا سلطاتهما ومسؤولياتهما؛ عملاً بالاتفاق، مع المراعاة الواجبة لقواعد ومبادئ حقوق الإنسان المعترف بها دولياً ولسيادة القانون(2). وتشمل حقوق الإنسان، التي تنتهكها إجراءات الإغلاق، الحق في العمل المسلم به دولياً في المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما المشاق الاجتماعية، والاقتصادية القاسية الناجمة عن القيود على الحركة، فهي تشكل انتهاكاً للحق في مستوى معيشة ملائم مسلم به في المادة 11 من ذلك العهد. كما أن تدمير المساكن، الذي يترك أصحابها مشردين، ينتهك هذا الحق؛ لأنه يشمل تحديداً الحق في المسكن الملائم. وتتعارض إجراءات الإغلاق والقيود على الحركة، مع حق كل شخص في التعليم. فالأطفال والطلبة يحرمون من حضور الدروس، على الرغم من واجب الدول في جعل التعليم الثانوي والعالي متاحاً للجميع، بكل الوسائل المناسبة. وعلاوة على ذلك، فالقيود على الحركة تفرض أيضاً على الصحفيين. وهذا يؤثر على تغطيتهم للأحداث، ويشكل انتهاكاً لحقهم في حرية التعبير، وبصورة غير مباشرة، لحق السكان في طلب المعلومات وتلقيها المسلم به في المادة 19 من العهد. وقد يتعرض هذا الحق لقيود محددة، ولكن لا يكون ذلك إلا في ظروف معينة، وليس كقاعدة عامة. كذلك تقيد السلطة الفلسطينية حرية حركة الصحفيين.

95. ويسترعى الانتباه، أخيراً، إلى المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر العقوبة الجماعية، فإسرائيل تتذرع بالاعتبارات الأمنية؛ لتبرير إجراءات الإغلاق وسائر التدابير الموصوفة أعلاه. ويبدو من ملاحظات اللجنة أنه وإن كانت الاعتبارات الأمنية، قد تبرر، في بعض الحالات، إجراءات الإغلاق المؤقت، فالإغلاق الشامل والممتد، وكذلك درجة وطبيعة تدمير الممتلكات للمدنيين الفلسطينيين، تعتبر عقاباً جماعياً.

تاسعاً. اللاجئون الفلسطينيون والانتفاضة الثانية

96. تسعى اللجنة إلى استرعاء الاهتمام، إلى الضعف البيّن للاجئين الفلسطينيين، باعتباره حالة خاصة من حالات المشاق، طوال فترة الانتفاضة الثانية، وخاصة نتيجة لسياسات الإغلاق والحصار، التي تنتهجها إسرائيل. ولا بد من تقييم ما جاء في الأرقام الصادرة عن الأونروا لعام 2000، من أن هناك 621 407 1 لاجئاً فلسطينياً مسجلاً، يعيشون في الضفة الغربية وغزة، يشكلون أكثر من 50% من السكان الفلسطينيين، في هذه الأراضي. ولا يمثل هذا الرقم سوى 38% من مجموع اللاجئين الفلسطينيين، حيث تنتشر بقيتهم أساساًً في الأردن، ولبنان، والجمهورية العربية السورية. وثمة مجموعتان من القضايا المتعلقة باستطلاعنا هما: أولاً، ضعف اللاجئين الفلسطينيين، الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة، وثانياً قضية ما يسمى "حق العودة".

97. فهناك، في المقام الأول، الوضع الشاذ للاجئين الفلسطينيين، بسبب استبعادهم من آليات الحماية، ومن مسؤولية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فليست هناك جماعة أخرى، من اللاجئين في العالم، مستبعدة على هذا النحو. وقد أنشئت الأونروا في عام 1949 للتصدي لشواغل محددة للاجئين الفلسطينيين، وبدأت العمل الفعلي في عام 1950. وتعزز هذا النظام الخاص للإقرار بأهمية بُعد اللاجئين في العلاقة الإسرائيلية ـ الفلسطينية، على مر السنين، بقرارات الأمم المتحدة المهمة، التي تتناول هذا الصراع. وألقيت على عاتق الأونروا المسؤولية عن الجوانب الإنسانية، في الجهد الدولي الرامي إلى تخفيف المعاناة المادية للاجئين الفلسطينيين، ولكنها لم تكلف بأي مهام حمائية. فقد عهد بهذه المهام إلى كيان موازٍ، سمي لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين. ومن المفارقات، أن هذه اللجنة قد أنشئت استجابة لقرار الجمعية العامة 194(د-3)، الذي يطالب بحماية اللاجئين الفلسطينيين. وعلى خلاف الأونروا، لم تكن هذه اللجنة منذ إنشائها قادرة على تنفيذ مهامها، ومواجهة العقبات السياسية والمالية. ومع أن اللجنة لا تزال قائمة على الورق، فهي تفتقر إلى وجود ميزانية وموظفين، وهي بالفعل لا تعمل. ومع هذا، يظل هذا الهيكل التنظيمي يحدد الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين.

98. ووفقاً لاتفاقية عام 1951، الخاصة بوضع اللاجئين، توفر الحماية لجميع اللاجئين الخاضعين لسلطة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما عدا الفلسطينيين. وقد استبعدوا بسبب المادة 1 دال من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، التي تنص على ما يلي:

"لا تنطبق هذه الاتفاقية على الأشخاص، الذين يتمتعون، حالياً، بحماية، أو مساعدة من هيئات، أو وكالات تابعة للأمم المتحدة، غير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين".

وعلى رغم عجز اللجنة المذكورة عن توفير الحماية المرتقبة، يظل اللاجئون الفلسطينيون طي النسيان، ولم يحدث، لأكثر من نصف قرن على وجودهم، أن أدرجوا في نظام المفوضية.

99. وهذه النتيجة تثير القلق بوجه خاص؛ لأن المادة 1 دال تسلم، صراحة، باحتمال أن تفشل أشكال الحماية البديلة، لسبب أو لآخر. وصياغة الفقرة الثانية من المادة 1 دال واضحة، بما لا يدع مجالاً معقولاً للجدل في هذه المسألة، إذ تنص على ما يلي:

"فإذا توقفت هذه الحماية أو المساعدة لأي سبب، من دون أن يكون مصير هؤلاء الأشخاص قد سوّي نهائياً، طبقاً لما يتصل بالأمر من القرارات، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، يصبح هؤلاء الأشخاص، بجراء ذلك، مؤهلين للتمتع بمزايا هذه الاتفاقية".

وما من سبب واضح للامتناع عن تنفيذ هذا الحكم الشامل، الذي كان من المتعين تنفيذه منذ عقود.

100. وهذه ليست بالمسألة الهينة. أولاً، لأن اللجنة أبلغت، مراراً، من شهود مختلفين، وأيدتهم وثائق مادية، بأن اللاجئين في المخيمات في الأراضي المحتلة، يتحملون مشاق تفوق ما يتعرض له السكان الفلسطينيون عامة، وأن موظفي الأونروا يرون أنفسهم عاجزين عن إثارة أي مسائل ذات طابع حمائي، تتعلق بهم، وتخرج عن ولايتهم الإنسانية، ومسائل ذات طابع "سياسي".

101. وترتبط هذه الشواغل الحمائية، ارتباطاً مباشراً، بالضغوط الصارخة، التي تمارسها الردود الإسرائيلية على الانتفاضة الثانية. فمخيمات اللاجئين، في الغالب، نقاط بارزة في العلاقات مع قوات الدفاع الإسرائيلية والمستوطنات، تدفع إلى اتخاذ تدابير "أمنية" انتقامية، ولا سيما منها إجراءات الإغلاق، التي تشمل سد طرق الوصول. فاللاجئون محبوسون في هذه المخيمات المكتظة، ومحرومون من الذهاب إلى أماكن عملهم، وكثيراً ما يحرمون من الوصول إلى المرافق التعليمية والطبية. وانتشار حالات العوز، الناجمة عن أثر الانتفاضة الثانية، بالنسبة للاجئين، أكثر بكثير منه بالنسبة لغيرهم، وهم يشعرون به أكثر من غيرهم؛ لأن اللاجئين يفتقرون إلى الأرض اللازمة لزراعــة ما يؤمن قوتهم، أو للتحرك في أنحائها. وقد كشفت لنا زياراتنا إلى عدة مخيمات للاجئين الفلسطينيين، عن الإحساس الخاص بالمرارة المادية والنفسية، الناجمة عن كونهم محتبسين في مخيماتهم، وعن حظر التجول في فترة الانتفاضة هذه. وفي هذه الظروف، ليس من المستغرب، أن يتولد الكثير من الدعم للفلسطينيين المقاتلين وللكفاح المسلح الفلسطيني، في داخل مخيمات اللاجئين.

102. والسؤال الثاني الأعم، الذي يتعلق بالحق في العودة، يتصل بمستقبل اللاجئين خارج الأراضي وداخلها، وهو لا يدخل في معظمه في نطاق الولاية الأساسية للجنة. وتأتي أهميته من درجة إصرار الإسرائيليين، على أن قبول هذا الحق، عمل انتحاري من جانب إسرائيل، وأنه لا ينتظر من أي دولة أن تدمر نفسها بنفسها. وأي نهج غامض كهذا، تجاه قضية اللاجئين، يعطل كل التحركات الرامية إلى إحلال سلام عادل.

103. وختاماً، فالفلسطينيون اللاجئون داخل الأراضي، يبدون أسوأ حظاً من اللاجئين الفلسطينيين في الشتات في البلدان المجاورة. ثم إن تردي أحوالهم، في أنحاء الضفة الغربية وغزة، يزداد حدة بزيادة التوترات والعنف في الشهور الأخيرة. فهؤلاء اللاجئون يحتاجون إلى شتى أنواع الحماية الطارئة، التي لا يمكن تقديمها إلا بتضافر الجهود على الصعيد الدولي على أساس الاستعجال. والأونروا، بمواردها المستنزفة بالفعل، وبظروف عملها المعرضة للتدخل، غير قادرة على توفير الحماية اللازمة.

عاشراً. الاستنتاجات والتوصيات

104. إن لجنة التحقيق تدرك، تماماً، مسؤوليتها في توخي كل الحرص، على أن تكون موضوعية ومحايدة، في جمع المعلومات وتقييم الأدلة، التي تؤسس عليها نتائجها وتوصياتها، بغرض استرعاء الانتباه إلى انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، التي ارتكبت منذ 29 أيلول/سبتمبر 2000، والتشجيع على الامتثال، مستقبلاً، للالتزامات الدولية إلى أقصى مدى ممكن.

105. وإذ تقدم اللجنة توصياتها، فإنها تشدد، من البداية، على ضرورة فهم السياق والظروف، التي ارتكبت فيها انتهاكات حقوق الإنسان، ومخالفات للقانون الإنساني الدولي، والحالة التي أدت إلى التصاعد الكبير في أعمال العنف، منذ آخر سبتمبر 2000، والتي أسفرت عن التردي الخطير لحالة حقوق الإنسان.

106. والسياق التاريخي هو سياق صراع وحروب متتابعة (على مدى 50 عاماً)، واحتلال طال أمده (أكثر من 30 عاماً)، وعملية سلام ممتدة (لأكثر من 7 سنوات). ويظل المتضررون يعانون من تركة من انعدام الثقة، ومن الإذلال، والإحباط، لم تسطع فيها بارقة أمل إلا فيما ندر، وقد تلاشت في الفترة الأخيرة.

107. وأهم عناصر القلق، في التصاعد الأخير للعنف، الذي أدى إلى خسائر في الأرواح، وإصابات بعاهات للآلاف، وتدمير للممتلكات، ومصادر الرزق، هو أن الآمال والتطلعات، التي أوجدتها عملية السلام قد تبددت الآن؛ نتيجة لنظرة كل جانب إلى الآخر نظرة تنسب إليه أسوأ الدوافع، مما يعمق مشاعر عدم الثقة والعواطف السلبية والمدمرة.

108. ومن المهم، أن نشدد على أن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، كليهما، يتوقان إلى تحقيق السلام والأمن، وأن من الشروط الأساسية لإحلال سلام عادل ودائم، أن تبذل كل الجهود، من كل الجوانب، لتخفيف التوتر، وتهدئة الخواطر، وتعزيز ثقافة السلام. ومن الممكن تعزيز هذا الاتجاه، لو اتسمت العملية، التي تسير فيها مفاوضات السلام بالشفافية، حتى يتسنى تعبئة الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي، دعماً للعملية ونتائجها النهائية. فبهذه الطريقة يمكن تغذية الثقة المتبادلة، التي لا بد أن يرسى على أساسها سلام دائم.

109. ومما يشجع اللجنة، أن تقييماتها للقضايا الأساسية، التي تناولها التقرير تتطابق، بشكل كبير، مع الآراء الجديرة بالثقة، التي أبدتها أطراف ثالثة، بما فيها آراء الممثلين الدبلوماسيين للاتحاد الأوروبي، وكبار موظفي الخدمة المدنية الدولية ذوي الخبرة الطويلة في المنطقة. ومن ثم، فإن توافق الآراء الواعي والنزيه، يعزز ما يرد هنا من نتائج وتوصيات.

110. ومع تفهم التاريخ المأساوي للشعبين المعنيين، وما خلَّفه من تركة نفسية، فإن توصياتنا الرامية إلى تثبيط استمرار الانتهاكات الأخيرة لحقوق الإنسان، قسمت إلى ثلاثة أجزاء. يتناول الجزء الأول مسألة التصدي للأسباب الجذرية، التي تحتاج إلى مواجهة حاسمة وحل. ويسرد الجزء الثاني الضمانات والإجراءات، التي لا بد أن تراعى، طوال إجراء المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى سلام عادل ودائم، مع توافر حسن النية. ويعرض الجزء الثالث سلسلة من التدابير، التي يمكن اتخاذها، فوراً، لردع استمرار العنف، ولإنهاء إزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات، وموارد الرزق. أما الجزء الرابع فهو أكثر طموحاً، حيث يوصي بخطوات لإيجاد مناخ يوصل، بمرور الوقت، إلى سلام عادل ودائم، لشعبي إسرائيل وفلسطين.

شروط لإحلال سلام عادل ودائم

111. لا بد التوصل إلى إحلال سلام شامل وعادل ودائم، أن يكون عن طريق المفاوضات، مع توافر النوايا الحسنة، التي من شأنها أن تنهي الاحتلال، وتقيم حكماً يلبي التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني، فيما يتعلق بإعمال حقه في تقرير المصير، وتبديد الهواجس الأمنية الحقيقية لشعب إسرائيل.

112. ومع ملاحظة أن الموقف الإسرائيلي هو أن الاحتلال قد انتهى بالفعل من كثير من الأراضي المحتلة، عقب الاتفاقات، التي تم التوصل إليها، والتي أدت إلى إنشاء السلطة الفلسطينية، وأن الوضع النهائي للمستوطنات، في تلك الأراضي، مسألة تحل بالمفاوضات بين الطرفين؛ لا بد من التسليم بأن المنظور الفلسطيني هو أنه إذا ظل للمستوطنات وجود كبير في الأراضي المحتلة، وما دامت القوات العسكرية الإسرائيلية تنتشر لحماية تلك المستوطنات، فلا يمكن القول بإنهاء ذي مغزى للاحتلال.

حقوق الإنسان وحتميات القانون الإنساني

113. ينبغي أن يستلهم أي إطار للتسوية النهائية، والعملية، التي تسير فيها، في كل مراحلها، احترام حقوق الإنسان، والقانون الإنساني والتطبيق الكامل للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، المبينة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي صكوك حقوق الإنسان السارية، وخاصة ما يتعلق منها بالنساء والأطفال واللاجئين.

114. ويتعين إقرار وجود دولي مناسب وفعال، لرصد امتثال جميع الأطراف لمعايير حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والإبلاغ المنتظم عنه، بغية كفالة الحماية الكاملة لحقوق الإنسان للناس، في الأراضي المحتلة. وينبغي أن تنشأ تلك الآلية الدولية على الفور، وأن تشكل بطريقة تعكس إحساساً بالضرورة الملحة لحماية حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني.

115. ويجب أن توفر الحماية لشعب الأراضي المحتلة؛ امتثالاً كاملاً لاتفاقية جنيف لعام 1949، المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب، (اتفاقية جنيف الرابعة). وعلى الأطراف السامية المتعاقدة، أن تُتخذ، فرادى ومجتمعة، وعلى سبيل الاستعجال، الإجراءات المناسبة والفعالة، استجابة للحالة الطارئة، ومطالبة باتخاذ تدابير لتخفيف المعاناة اليومية للشعب الفلسطيني، والنابعة من الانتهاكات الجسيمة لاتفاقية جنيف الرابعة. فالمادة الأولى من الاتفاقية تجعل من واجب الأطراف السامية المتعاقدة "احترام وكفالة احترام" أحكام الاتفاقية "في كل الظروف". وتشير اللجنة إلى أن مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة، المعقود في جنيف في 15 يوليه 1999، أعاد في بيانه الختامي تأكيد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وأكد من جديد ضرورة الاحترام الكامل لأحكام الاتفاقية في تلك الأراضي، ثم سجل المقرر التالي:

"وإذ يأخذ في اعتباره تحسن المناخ في الشرق الأوسط، بصفة عامة، فإن المؤتمر يُرجأ، على أساس أن يعقد، من جديد، في ضوء المشاورات بشأن تطور الحالة الإنسانية في الميدان".

ونظراً إلى التدهور الخطير للحالة الإنسانية في الأراضي، فإن اللجنة توصي بأن تتصرف الأطراف السامية المتعاقدة، على وجه الاستعجال، بإعادة عقد المؤتمر. وينبغي أن ينشئ ذلك المؤتمر آلية دولية فعالة لاتخاذ الإجراءات العاجلة اللازمة.

التدابير العاجلة لحماية حقوق الإنسان

116. يبدو أنه لا خلاف على أن قوات الأمن الإسرائيلية (أي قوات الدفاع الإسرائيلية وقوات الشرطة الإسرائيلية)، قد أفرطت في استعمال القوة، وبلا تمييز، منذ بداية الانتفاضة الثانية، سواء أقيس سلوكهم بمعايير القانون الإنساني الدولي المنطبقة على الصراعات المسلحة، أم بمدونة قواعد السلوك المنطبقة على أعمال الشرطة في الحالات، التي لا تبلغ حد الصراع المسلح، أم بنظم إطلاق النار الملزمة لقوات الأمن الإسرائيلية. وفي هذه الظروف، ثمة حاجة ماسة لأن تكفل قوات الأمن الإسرائيلية توخي قدر كبير من الحذر، حتى في الحالات، التي تتهدد فيها الأرواح، كي لا تلحق الأذى بالمدنيين غير المشتركين مباشرة في النشاطات العدائية، ولا تتسبب في أضرار وإصابات غير متناسبة. وفي الحالات، التي لا تهدد الأرواح، وخاصة المظاهرات، ينبغي أن تمتثل قوات الأمن، امتثالاً كاملاً، لمدونتي قواعد عمل الشرطة لعامي 1979 و1990، ولأنظمتها الخاصة بإطلاق النار. وينبغي ألا تدخر حكومة إسرائيل أي جهد في سبيل كفالة مراعاة قوات أمنها لهذه القواعد، وإعلام أفراد قوات أمنها بهذه القواعد بصورة فعالة، وعدم تغيير هذه القواعد بصورة عشوائية، أو بإجراءات موجزة، والإعلام الواضح لقوات الأمن أن الانتهاكات تؤدي إلى اتخاذ إجراءات تأديبية شديدة ضدهم.

117. وينبغي ألا تلجأ قوات الأمن الإسرائيلية إلى استعمال الطلقات المطاطية والذخيرة الحية، إلا كملاذ أخير. بل إنه لا ينبغي، حتى في الحالات التي تهدد الأرواح، استعمال سوى الحد الأدنى من القوة ضد المدنيين. وينبغي أن تُعد قوات الأمن الإسرائيلية وتُدرب بالقدر الكافي على أساليب الرد غير الفتاكة، وخاصة في التعامل مع المظاهرات العنيفة. وينبغي بذل قصارى الجهد في سبيل استخدام الأساليب المقررة على نحو سليم للسيطرة على الحشود.

118. كما أن استعمال قوات الأمن الإسرائيلية للقوة، لدى ممارستها لدورها في توفير الأمن للمستوطنين، يخضع لمعايير القانون الإنساني الدولي، بما فيها اتفاقية جنيف الرابعة، ولا يمكن استعمالها لإطلاق النار، وقائياً، على المدنيين العزل في المناطق القريبة من المستوطنات، أو لتدمير ممتلكات فلسطينية، بما في ذلك هدم البيوت، وتقطيع الأشجار، وإتلاف المزارع، وينبغي إصدار التعليمات المناسبة بهذا المعنى لكل المعنيين.

119. وتشكل عمليات إطلاق النار، الذي يستهدف الأفراد من قبل قوات الدفاع الإسرائيلية، أو المستوطنين، أو القناصة من أي من الجانبين، عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وهي انتهاك جسيم للحق في الحياة، وتشكل خرقاً للقانون الإنساني الدولي، وينبغي أن يحمّل مرتكبوها المسؤولية الجنائية الدولية. وينبغي أن تصدر تعليمات، على وجه السرعة، وأن تنشرها جميع السلطات المعنية، فوراً، لإنهاء هذا القتل المتعمد.

120. وينبغي التحقيق في أي شكوى تتعلق باستعمال القوة الفتاكة، أو الإفراط في استعمال القوة، مما ينجم عنه وفاة أو إصابة خطيرة، وتحميل المسؤولين عن ذلك كل المسؤولية، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

121. ويجب اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لإنهاء إجراءات الإغلاق، وحظر التجول، وسائر القيود المفروضة على حركة الناس والبضائع في الأراضي المحتلة؛ بغية استعادة الحق في الحصول على موارد الرزق، والقيام بالنشاطات الاقتصادية العادية، فضلاً عن الحق في الحصول على الخدمات التعليمية والصحية.

122. وينبغي اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة؛ لمنع تدمير الممتلكات في الأراضي المحتلة، بما في ذلك هدم البيوت، وقطع الأشجار المثمرة، وغير المثمرة، وإتلاف المزارع، والمحاصيل الموجودة، باستعمال الجرافات وغيرها من الوسائل.

123. ولا بد أن تكون لإجراءات الحظر والقيود، التي تحول دون تمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه، بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تذرعاً باعتبارات أمنية، مبرراتٌ محددة، ولا بد، في كل الحالات، من إخضاعها للامتثال لمعايير القانون الإنساني الدولي.

124. وعلى جميع السلطات المعنية، أن تمتنع عن اتخاذ تدابير تصل إلى حد العقاب الجماعي. ويشمل هذا التوقفَ عن تحويل الضرائب والرسوم، التي تحصلها الحكومة الإسرائيلية، إلى السلطة الفلسطينية، كما يشمل فرض القيود على الحركة أو أعمال العنف الانتقامية من أي من الجانبين.

125. ويجب أن تصدر التعليمات، فوراً، من جميع السلطات المعنية، إلى قوات الأمن، بالامتناع الصارم عن استعمال القوة، ضد العاملين في تقديم الإغاثة الطبية أو تعطيله، أو معاملة العاملين في الصليب الأحمر، والهلال الأحمر، وماجن ديفيد أدوم، والعاملين في المستشفيات؛ وكفالة حماية رجال الإسعاف والمستشفيات. وتقتضي هذه التعليمات أن يكفل كل المعنيين عدم إعاقة وصول المرضى، والجرحى، والحوامل إلى المستشفيات.

126. وينبغي تعويض ضحايا الاستعمال غير القانوني للقوة، حين يتسبب ذلك في وفاة أو إعاقة الأشخاص، أو تدمير للممتلكات، أو إلحاق خسائر اقتصادية.

127. وينبغي إزالة أي عراقيل أمام تدفق المساعدة الإنسانية المطلوبة الآن بصورة أكثر إلحاحاً، باعتبار ذلك أمراً عاجلاً، وبذل قصارى الجهد لتيسير عمل الأمم المتحدة والهيئات الأخرى، المعنية بتقديم المساعدة الإنسانية والإغاثة الطبية.

128. ويجب توفير حماية خاصة لحياة وسلامة الأطفال، وتأمين حصولهم على التعليم والرعاية الصحية. وينبغي إصدار تعليمات خاصة عاجلة، تحظر إطلاق النار على الأطفال العزل، مع توضيح أن هذه الأفعال تترتب عليها مسؤولية جنائية دولية ووطنية. ولا بد من الحرص الشديد على ضمان عدم إشراك الأطفال في حالات، يعرضون أنفسهم فيها لمخاطر السقوط ضحايا لأعمال العنف.

129. وينبغي اتخاذ إجراءات لتطبيق المادة 1 دال من اتفاقية عام 1951، المتعلقة بوضع اللاجئين؛ لضمان أن يكون هناك نظام للحماية خاضع لسلطة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ينطبق على اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما المقيمين منهم حالياً في مخيمات الضفة الغربية وغزة. فقد وقع هؤلاء اللاجئون ضحايا، بوجه خاص خلال الانتفاضة الثانية، ولا تظلهم الآن أي حماية بتطبيق إطار الأونروا، وهم في أمس الحاجة إلى حماية دولية على سبيل الأولوية.

130. ويجب أن تعالج أي تسوية شاملة مقبولة، بصورة متبادلة، قضايا اللاجئين الفلسطينيين، ومطالبهم المشروعة بصورة منصفة، ويشمل ذلك اللاجئين، الذين يعيشون خارج الأراضي الفلسطينية. وينبغي التفاوض على تلك الترتيبات بأسلوب، يراعي الشواغل الإسرائيلية المشروعة.

131. وينبغي إزالة جميع القيود المفروضة على الوصول إلى أماكن العبادة، وجميع المواقع المقدسة، واحترام وصول أتباع كل الديانات إليها.

تغيير المناخ العدائي

132. يعلن الاتفاق الأوروبي المتوسطي، المعقود بين الجماعات الأوروبية ودولها الأعضاء، ودولة إسرائيل، في المادة 2، أن علاقتهما تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديموقراطية، التي تستلهمها سياستهما الداخلية والدولية؛ ويمكن أن يوفر هذا أساساً لمبادرة من الجماعة الأوروبية للقيام بدور أفعل في تعزيز تقبل وتنفيذ هذه التوصيات، وفي تأييد عقد مشاورات وحوار على كل الصعد، بين الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي.

133. ولتحسين آفاق السلام الدائم، وخصوصاً بالنظر إلى الفجوات الأساسية في وجهات النظر، التي تفصل حالياً بين الجانبين، يوصَى، بقوة، بأن تتخذ لجنة حقوق الإنسان خطوات ملموسة، لتيسير الحوار بين ممثلين إسرائيليين وفلسطينيين، على كل الصعد للتفاعل الاجتماعي، بصورة رسمية وغير رسمية. وفي هذا الصدد تحث لجنة حقوق الإنسان، على إجراء مشاورات بين قادة المجتمع المدني الإسرائيلي والفلسطيني على أساس شعبي في جنيف، في أقرب وقت ممكن. وبروح مماثلة تحث لجنة حقوق الإنسان على عقد اجتماع مائدة مستديرة، يجمع ممثلي المجتمع المدني والحكومات الأوروبية، بقصد إشراك أوروبا بصورة أكبر في وقائع الأزمة، وذلك بغية مناقشة الخطوات، التي يمكن اتخاذها للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني، وكفالة زيادة احترام الجانبين لمعايير حقوق الإنسان، وللقانون الإنساني الدولي.

134. وبالنظر إلى الحرمان الشامل من حقوق الإنسان، واستمرار نمط من السلوك ينتهك القانون الدولي الإنساني، فإن هذه اللجنة توصي بأن تضع لجنة حقوق الإنسان مشروعاً واضحاً، يحظى باهتمام واسع للرصد والإبلاغ الدوريين، بقصد النظر في مدى تنفيذ ما يتضمنه هذا التقرير من توصيات إلى الأطراف.

الحواشي

1.     تفيد تقارير موثوقة أن لجوء الشرطة الإسرائيلية، إلى إطلاق النار في الحرم الشريف/جبل الهيكل في 29 سبتمبر 2000، مما أدى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية، لم يكن رداً على إطلاق نار من الجانب الفلسطيني. ويثير ذلك سؤالاً خطيراً عن إصرار الحكومة الإسرائيلية، على أن الأسلحة الفتاكة لم تستخدم إلا رداً على إطلاق للنار من جانب الفلسطينيين.

2.     الاتفاق الانتقالي المؤرخ 28 ديسمبر 1995، المادة التاسعة عشرة. وبغير هذا الاتفاق تظل إسرائيل ملزمة بكفالة الحقوق المدنية والسياسية غير القابلة للانتقاص لسكان الأراضي المحتلة. فالمادة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تقضي بحماية حقوق جميع الأفراد الخاضعين لولاياتها القضائية، أي الأفراد الخاضعين لسيطرتها الفعلية. ولا يشير العهد الدولي، الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى الأفراد الخاضعين لولاية الدولة القضائية، مما يجعل تطبيقه على سكان الأراضي المحتلة موضعاً لمزيد من الشك. وقد أصبحت إسرائيل طرفاً في العهدين الدوليين في عام 1991.

المرفق الأول

مقتطف من القرار دإ-5/1، الذي اعتمدته لجنة حقوق الإنسان فــي

دورتها الاستثنائية الخامسة المعقودة في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2000

6. تقرر

أن تنشئ، على أساس عاجل، لجنة للتحقيق بشأن حقوق الإنسان، يتم اختيار أعضائها على أساس مبدأي الاستقلال والموضوعية، وتقوم بجمع المعلومات عن انتهاكات حقوق الإنسان والأفعال، التي تشكل خروقات خطيرة للقانون الإنساني الدولي، من جانب سلطة الاحتلال الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتوافي اللجنة باستنتاجاتها وتوصياتها، بهدف منع تكرر وقوع انتهاكات حقوق الإنسان، التي حدثت مؤخراً.