إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)









أمن البحـــر الأحمــر

ملحق

تقرير لجنة تقصي الحقائق

(تقرير جورج ميتشل)

رفعت لجنة تقصي الحقائق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تقريراً بخلاصة عملها إلى الرئيس جورج بوش. كما سلمت نسخة منه، إلى كل من الحكومة الإسرائيلية، والسلطة الفلسطينية. وشدّدت اللجنة، التي ضمّت كلاً من سليمان ديمريل، الرئيس التركي السابق، وتوربيان ياغلاند، وزير خارجية النرويج، وجورج ميتشل (رئيساً)، العضو السابق ورئيس الغالبية في مجلس الشيوخ الأمريكي، ووارن رودمان، العضو السابق في مجلس الشيوخ الأمريكي، وخافيير سولانا، الممثل الأعلى لسياسة الأمن والتعاون في الاتحاد الأوروبي، في توصياتها، على ضرورة أن تعمل الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية،عبر إجراءات اقترحتها، على وقف العنف فوراً، ومعاودة التفاوض لتأكيد التزام الاتفاقات الموقعة، والتفاهمات المشتركة.

نص التقرير

لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق

30 أبريل 2001

السيد جورج بوش                            المحترم

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية

البيت الأبيض

واشنطن دـ سي 20500

عزيزنا السيد الرئيس:

نرفق طيه تقرير لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق:

لقد طلبنا، وتلقينا المعلومات والمشورة، من قطاع واسع من الأفراد، والمؤسسات، والحكومات، وعلى رغم ذلك فإن النتائج والتوصيات صادرة عنا فقط.

نقدم شكرنا للدعم، الذي قدمته للجنة أنت وإدارتك.

باحترام

سليمان ديميريل

توربيان ياغلاند

وارن رودمان

خافيير سولانا

جورج ميتشل (رئيس اللجنة)

خلاصة التوصيات

على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، أن تتصرفا بسرعة وحزم؛ لوقف العنف. وأن تكون الأهداف الفورية لكليهما، في ما بعد، هي بناء الثقة واستئناف المفاوضات.

في أثناء مهمتنا، كان هدفنا هو إنجاز التفويض، الذي اتُفق عليه في شرم الشيخ. ونثمن الدّعم، الذي حظي به عملنا من الأطراف المشاركة في المؤتمر، ونقدر الفرقاء على تعاونهم. إن توصيتنا الأساسية هي: التزام الفرقاء بروح شرم الشيخ، وتنفيذ القرارات، التي اتخذت هناك في العامين 1999 و2000، وإننا نؤمن أن المشاركين في المؤتمر سيدعمون الجهود الشّجاعة للفرقاء، من أجل تحقيق هذه الأهداف. وعليه، فإننا نوصي باتخاذ إجراءات من أجل:

إيقاف العنف

·   على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، إعادة تأكيد التزامهما بالاتفاقات القائمة، وما يترتب عليها، والتنفيذ الفوري لوقف إطلاق النّار غير المشروط.

·   على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية الاستئناف الفوري للتعاون الأمني.

إعادة بناء الثقة:

·   على السّلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، أن تعملا معاً لبناء "فترة تهدئة" ذات معنى، وتنفيذ إجراءات إضافية لبناء الثقة، تلك الإجراءات، التي تم تفصيلها في أكتوبر 2000، في مذكرة شرم الشيخ، والتي تم تقديم بعضها من قبل الولايات المتحدة في يناير 2001 في القاهرة، (لمزيد من التفصيل: راجع الجزء الخاص بالتوصيات).

·   على السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، استئناف جهودهما لتحديد، وشجب، وعدم تشجيع التحريض بكل أشكاله.

·   على السلطة الفلسطينية أن توضح للفلسطينيين والإسرائيليين، على السواء، من خلال إجراء ملموس، أن الإرهاب غير مقبول، ولا يمكن الموافقة عليه، وأن السلطة الفلسطينية ستبذل جهداً بنسبة 100% للحيلولة دون القيام بعمليات إرهابية، ومعاقبة مرتكبيها. هذا الجهد يتضمن خطوات فورية لاعتقال وسجن الإرهابيين، الذين يعملون من مناطق ضمن سيطرة السّلطة الفلسطينية.

·   على الحكومة الإسرائيلية تجميد كل النشاطات الاستيطانية، بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات القائمة.

·   على الحكومة الإسرائيلية ضمان أن جيش الدفاع الإسرائيلي، يتبنى ويعزز سياسات وإجراءات تشجع استجابات لا عنفية، ضد التظاهرات غير المسلحة، وبما يقلص الإصابات والاحتكاكات بين المجتمعين (الإسرائيلي، الفلسطيني).

·   على السّلطة الفلسطينية منع المسلحين، من استخدام المناطق المأهولة بالفلسطينيين لإطلاق النار على مناطق مأهولة بالإسرائيليين، ومواقع جيش الدفاع الإسرائيلي. إن ذلك الأسلوب يعرض المدنيين، في كلا الجانبين، لمخاطر غير ضرورية.

·   على الحكومة الإسرائيلية أن ترفع الإغلاقات، وأن تحوّل للسلطة الفلسطينية عائدات الضرائب المستحقة، وأن تسمح للفلسطينيين، الذين كانوا يعملون في إسرائيل، بالعودة إلى أعمالهم. كما على الحكومة الإسرائيلية أن تضمن، عدم قيام قوات الأمن والمستوطنين بتدمير البيوت والشوارع، وكذلك الأشجار والممتلكات الزراعية، في الأراضي الفلسطينية. إننا ندرك أن موقف الحكومة الإسرائيلية وإجراءاتها، بهذا الشأن، اتخذت لأسباب أمنية، ومع ذلك، فإن التأثيرات الاقتصادية لتلك الإجراءات، ستستمر لسنوات عديدة.

·   على السلطة الفلسطينية، تجديد التعاون مع الجهات الأمنية الإسرائيلية لتضمن، وإلى أقصى حد ممكن، أن العمال الفلسطينيين المستخدمين في إسرائيل، قد تم فحصهم بدقة وليس لهم ارتباطات، مع منظمات أو أفراد متورطين في الإرهاب.

·   على السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، النظر في المسؤولية المشتركة للمحافظة على الأماكن المقدسة وحمايتها، في تقاليد اليهود والمسلمين والمسيحيين.

·   على الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، أن تصادقا على، وتدعما بشكل مشترك، المنظمات الفلسطينية والإسرائيلية غير الحكومية، العاملة في مجال مبادرات التقارب بين الشعبين.

استئناف المفاوضات

بروح اتفاقات شرم الشيخ وتفاهمي 1999 و2000، فإننا نوصي أن يلتقي الفرقاء؛ لتوكيد الالتزام بالاتفاقات الموقعة، والتفاهمات المشتركة، واتخاذ إجراءات رديفة. ويجب أن يكون هذا هو أساس مفاوضات كاملة، وذات مضمون.

مقدمة

في السابع عشر من أكتوبر 2000، وفي اختتام أعمال مؤتمر الشرق الأوسط للسّلام في شرم الشيخ في مصر، تحدث رئيس الولايات المتحدة، نيابة عن المشاركين (حكومة إسرائيل، والسلطة الفلسطينية، وحكومة مصر، والأردن، والولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي)، ومن بين أشياء أخرى، قال الرئيس:

"إن الولايات المتحدة سوف تطور مع الإسرائيليين والفلسطينيين، وبالتشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة، لجنة لتقصي الحقائق، حول أحداث الأسابيع الماضية، وكيفية منع تكرارها. إنّ تقرير اللجنة سيكون ملكاً لرئيس الولايات المتحدة، والأمين العام للأمم المتحدة، والفرقاء، قبل نشره. وسيتم تقديم تقرير نهائي للنشر، تحت رعاية رئيس الولايات المتحدة".

وفي السابع من نوفمبر 2000، وبعد التشاور مع باقي المشاركين، طلب منا الرئيس أن نعمل، في ما أصبح يُعرف، لاحقاً، بـ"لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق". وفي رسالة موجهة إلينا في السادس من ديسمبر 2000، قال الرئيس:

"إن هدف اللقاء والاتفاق الناتج عنه، هو إنهاء العنف، ومنع تكراره، وإيجاد طريق العودة إلى مسيرة السّلام، في إجراءاتها وطريقة عملها. وعلى اللجنة أن تسترشد بهذه الأهداف الملزمة، وعلى اللجنة (وأي عضو من أعضائها)، محاولة قيادة الأمور، بعيداً عن أي خطوة، من شأنها تكثيف اللوم المشترك، أو الإشارة بأصبع الاتهام بين الفرقاء. وكما أوضحت في رسالتي السابقة، لا ينبغي أن تصبح اللجنة مصدر خلاف، أو نقطة تركيز للوم أو الاتهام، بل عليها أن تخدم ككابحة للعنف والمواجهة، وتقديم العبر للمستقبل. وهي لا يجوز لها أن تكون محكمة، هدفها تحديد جرم، أو براءة أفراد، أو فرقاء، عوضاً عن ذلك، عليها أن تكون لجنة تقصي حقائق، هدفها تحديد ما حدث، وكيفية منع تكراره في المستقبل".

بعد اجتماعنا الأول، الذي عُقد قبل زيارتنا للمنطقة، طلبنا وقف كل أنواع العنف. أما اجتماعاتنا وملاحظاتنا، في أثناء الزيارات المتعاقبة للمنطقة، فقد زادت من قناعاتنا بهذا الخصوص. وبغض النظر عن المصدر، فإن العنف لن يحل مشاكل المنطقة، ولكنه، فقط، سيزيدها سوءاً. إن الموت والدمار لن يأتيا بالسلام، بل سيعمقان الكراهية، ويصلّبان العزيمة لدى الجانبين. ثمة طريق واحد للسلام، وللعدل، والأمن، في الشرق الأوسط، ألا وهو المفاوضات. فعلى الرغم من التاريخ الطويل والجوار، يبدو أن بعض الإسرائيليين والفلسطينيين، لا يتفهمون، بشكل كامل، مشاكل وهموم الطرف الآخر، يبدو واضحاً، أن بعض الإسرائيليين لا يستوعبون الإذلال والإحباط، الذي يتحمله الفلسطينيون، بشكل يومي، نتيجة اضطرارهم للعيش مع نتائج الاحتلال، المدعوم بوجود قوات عسكرية إسرائيلية، ومستوطنات مغروسة في وسطهم، ولا يفهمون إصرار الفلسطينيين على الحصول على الاستقلال، وتقرير مصير حقيقي. ويبدو، واضحاً، أن بعض الفلسطينيين لا يتفهمون مدى الخوف، الذي يخلقونه في أوساط الشعب الإسرائيلي، مما يضعف إيمانهم بإمكانية التعايش، أو إصرار الحكومة الإسرائيلية على عمل كل ما هو ضروري، لحماية شعبها.

إن الخوف، والكراهية، والغضب، والإحباط، قد تصاعد لدى الطرفين. إن الخطر الأعظم هو على ثقافة السلام، التي تمت تغذيتها عبر العقد السّابق، والتي تحطمت، وبدلاً منها، هناك إحساس متعاظم من عدم الجدوى واليأس، ولجوء متزايد نحو العنف.

إن على القادة، في كلا الطرفين، التصرف، والكلام بحزم، لكبح هذه التوجيهات الخطرة؛ عليهم أن يعيدوا إضاءة الرغبة والدّوافع للسلام. إن ذلك سيكون صعباً، لكنه ممكن، ويجب عمله، لأن البديل غير مقبول، ولا يجوز أن يكون محل تفكير.

إنهما شعبان لهما كبرياء، يقتسمان الأرض والمصير. وقد أدت ادعاءاتهما وخلافاتهما الدينية، إلى صراع مستعر، أضعف الروح المعنوية، وضرب الفهم بقيمة الإنسان. بإمكانهما أن يستمرا في الصراع، أو أن يتفاوضا لإيجاد طريق للعيش، جنباً إلى جنب بسلام.

ثمة سجل من الإنجازات، ففي العام 1991، عُقد أول مؤتمر للسّلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين في مدريد، من أجل إنجاز سلام قائم على أساس قراراي مجلس الأمن الدولي، 242 و338. وفي العام 1993، التقت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في أوسلو، في مفاوضات وجهاً وللمرة الأولى. وأدى ذلك إلى اعتراف مشترك، وإلى إعلان المبادئ، "وقعته الأطراف في واشنطن دي سي يوم 13 سبتمبر 1993"، وكان ذلك بمثابة خريطة طريق للوصول، إلى نهاية المطاف المتفق عليه في مدريد. منذ ذلك الوقت، اتُخذت خطوات ضرورية في القاهرة وواشنطن، وأماكن أخرى. وفي السنة الماضية اقترب الفرقاء كثيراً، من إنجاز حل نهائي.

كل ذلك أُنجز، لكن الكثير من خطر. وإذا نجح الفرقاء في إكمال الرحلة إلى هدفهم النهائي، فإن الالتزامات المتفق عليها يجب أن تُنفّذ، وأن يتم احترام القانون الدولي، وحماية حقوق الإنسان. إننا نشجعهم على العودة إلى المفاوضات، مهما كانت الصعوبات. إنها الطريق الوحيد إلى السلام والعدالة والأمن".

النقاش

يفهم من أقوال المشاركين في لقاء أكتوبر الماضي، تعبيرهم عن الأمل بأن انفجار العنف، الذي كان قد مضى عليه أقل من شهر، سيزول سريعاً. إن رسائل رئيس الولايات المتحدة لنا، والتي تطلب منا وضع توصيات حول كيفية منع استئناف العنف، توضح النية بإزالة العنف.

ومع ذلك، فإن العنف لم يتوقف، وازدادت الأمور سوءاً، وعليه فإن الهمَّ الأساسي، بالنسبة إلى الذين تحدثنا معهم في المنطقة، هو إنهاء العنف، والعودة إلى عملية هيكلة السلام المنشود. هذا ما أخبرنا به، وما طُلب منا أن نعالجه، مع كل من الإسرائيليين والفلسطينيين. وكانت تلك أيضاً الرسالة، التي فهمناها من الرئيس المصري، حسني مبارك، والملك عبدالله، عاهل الأردن، والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي أنان.

إن همّهم هو همَنا، فلو كُتب لتقريرنا أي تأثير، فإنه يجب أن يتعامل مع الوضع القائم، الذي يختلف عن الوضع الذي تصوره المشاركون في اللقاء. وفي هذا التقرير سنحاول الإجابة، عمّا كلَفنا به لقاء شرم الشيخ: ماذا حدث؟ ولماذا حدث ما حدث؟

في ضوء الوضع الحالي، علينا أن نشرح الجزء الثالث من مهمتنا: كيف يمكن منع حدوث العنف؟

إن أهمية عملنا وتأثيره، في نهاية المطاف، سيُقاسان من خلال التوصيات، التي نقدمها في ما يتعلق بالأمور الآتية:

ـ إنهاء العنف

ـ إعادة بناء الثقة

ـ استئناف المفاوضات

ماذا حدث؟

نحن لسنا محكمة. لقد التزمنا ما طُلب منا بأن لا نحدد جرم أو براءة أفراد أو جهات. ولم تكن لدينا قوة إجبار أحد على الشهادة، أو تزويدنا الوثائق. وجاء معظم المعلومات، التي تلقيناها من الفرقاء. ومفهوم، أنها تميل إلى دعم وجهات نظرهم.

في هذا الجزء من تقريرنا، لا نحاول أن نضع الأحداث، منذ أواخر سبتمبر 2000، وما تبعها، بشكل متسلسل. عوضاً عن ذلك، فإننا نناقش تلك الأحداث، التي تلقي الضوء على الأسباب المؤدية للعنف.

في أواخر سبتمبر 2000، تلقى الإسرائيليون والفلسطينيون، ومسؤولون آخرون، تقارير مفادها أن عضو الكنيست (الذي يشغل الآن منصب رئيس الوزراء)، أرييل شارون، يخطط لزيارة الحرم الشريف، جبل الهيكل في القدس. وحثّ المسؤولون الفلسطينيون والأمريكيون رئيس الوزراء آنذاك، إيهود باراك، على (منع) تلك الزيارة.

قام السيد شارون بزيارته تلك يوم 28 سبتمبر، يرافقه ما يزيد عن ألف من قوات الشرطة الإسرائيلية. ومع أن الإسرائيليين صوروا الزيارة ضمن سياق السّياسة الداخلية، فقد رآها الفلسطينيون استفزازية. وفي اليوم التالي، وفي المكان نفسه، حدثت مواجهة بين عدد كبير من الفلسطينيين المتظاهرين، غير المسلحين، وعدد كبير من قوات الشرطة الإسرائيلية. وحسب تقرير من الخارجية الأمريكية: "قام الفلسطينيون بتظاهرات ضخمة، وقذفوا قوات الشرطة بالحجارة في منطقة الحائط الغربي، واستخدم الجيش الرصاص المطاطي، والذخيرة الحية، لتفريق المتظاهرين، مما أدى إلى قتل أربعة أشخاص، وإصابة حوالي مائتي شخص بجروح. ووفقاً لمصادر الحكومة الإسرائيلية، فقد تم جرح أربعة عشر شرطياً إسرائيلياً. وحدثت تظاهرات عدة، خلال الأيام اللاحقة. هكذا بدأ ما عرف فيما بعد "بانتفاضة الأقصى" (الأقصى هو مسجد في الحرم الشريف/ جبل الهيكل).

الحكومة الإسرائيلية تؤكد، أن الدافع الفوري للعنف كان انهيار محادثات "كامب ديفيد"، يوم 25 يوليه 2000، و"التقدير المتزايد في المجتمع الدولي لمسؤولية الفلسطينيين، عن الطريق المسدود (كامب ديفيد)". وحسب وجهة النظر هذه، فإن العنف الفلسطيني كان مخططاً له، من قيادة السلطة الفلسطينية، وكان هدفه استفزاز وإيقاع ضحايا فلسطينيين، كطريقة لاستعادة المبادرة الدبلوماسية".

لقد أنكرت منظمة التحرير الفلسطينية الاتهامات، بأن الانتفاضة كان مخططاً لها. وهي تدعي، على كل حال، أن "كامب ديفيد" لا تمثل أكثر من محاولة، من قبل إسرائيل، لمد نفوذها، الذي تمارسه على الأرض، إلى المفاوضات، و"أن فشل القمة ومحاولات إلصاق التهم بالجانب الفلسطيني، أضاف إلى الاحتقان على الأرض".

من خلال وجهة نظر منظمة التحرير، استجابت إسرائيل لأحداث الشغب بعنف زائد، واستخدام غير قانوني للأسلحة الفتاكة، ضد المتظاهرين. وهو تصرف، من وجهة نظر منظمة التحرير، عكس احتقار إسرائيل لحياة وأمن الفلسطينيين. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن المشاهد، التي نشرت بكثافة لمقتل ابن الثانية عشرة (محمد الدرة)، في غزة يوم 30 سبتمبر، والذي قُتل وهو يحتمي بوالده، يعزز ذلك التصور.

ومن منظور الحكومة الإسرائيلية، فإن التظاهرات كانت تنظم وتوجه من القيادة الفلسطينية، لخلق حال من التعاطف الدولي مع قضيتهم، من خلال استفزاز قوات الأمن الإسرائيلية، لإطلاق النار على المتظاهرين، خاصة الصبية الصغار. وبالنسبة للإسرائيليين، فإن تنفيذ حكم الموت بإسرائيليين من قوات الاحتياط، هم الملازم الأول فاديم نوفيتش، والعريف الأول يوسف أفراهايمي، في رام الله، يوم 12 أكتوبر 2000، عكس كراهية متأصلة عميقة لإسرائيل واليهود.

وما بدأ كسلسلة من المواجهات، بين المتظاهرين الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية، والذي كانت نتيجته أن فرضت الحكومة الإسرائيلية قيوداً على حركة الناس، والبضاعة في الضفة الغربية وقطاع غزة (الإغلاقات)، تطور، منذ ذلك الحين، إلى مجموعة من الأعمال العنفية وردود الفعل. كان هناك تبادل لإطلاق النار في مناطق مكتظة، وحالات قنص، وصدامات بين المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكانت هناك أيضاً حوادث إرهابية، وردود فعل إسرائيلية (صنفتها الحكومة الإسرائيلية على أنها كبح للإرهاب)، بما في ذلك عمليات قتل وتدمير للأملاك، وإجراءات اقتصادية.

وأخيراً، كانت هناك هجمات بقذائف المورتر على مواقع إسرائيلية، تلتها غارات لجيش الدفاع الإسرائيلي، على المناطق الفلسطينية.

ومن وجهة النظر الفلسطينية، فإن قرار إسرائيل توصيف الأزمة الراهنة على أنها: "صراع مسلح يقترب من الحرب"، يعتبر ببساطة وسيلة "لتبرير سياسة الاغتيال، وسياسة العقوبة الجماعية، واستخدام الأسلحة الفتاكة". ومن وجهة النظر الإسرائيلية، "إن القيادة الفلسطينية حرّضت ونظمت ووجهت العنف. لقد استخدمت، وتستمر في استخدام، الإرهاب والاستنزاف كأدوات إستراتيجية".

وفي العروض والوثائق، التي قدّموها، تبادل كل من الفرقاء الاتهامات حول الدوافع ودرجة الضّبط، التي يمارسها الطرف الآخر. على أي حال، لم نزود أدلة مقنعة بأن زيارة شارون كانت أكثر من عمل سياسي داخلي، كذلك لم نزود أدلة مقنعة على أن السلطة الفلسطينية خططت للانتفاضة.

بناءً عليه، لا يوجد لدينا أساس للاستنتاج، أنه كان هناك خطة معتمدة من السلطة الفلسطينية للبدء في حملة عنف، واستغلال أول فرصة مواتية لذلك، أو للاستنتاج بأنه كانت هناك خطة متعمدة للحكومة الإسرائيلية، للرد بأسلحة فتّاكة.

مهما يكن الأمر، لا توجد أدلة للاستنتاج بأن السلطة الفلسطينية، قامت بجهد متواصل للسيطرة على التظاهرات، وعلى العنف، لحظة حدوثه؛ أو أن الحكومة الإسرائيلية، قامت بجهد متواصل لاستخدام وسائل غير فتاكة للسيطرة على التظاهرات، وعلى الفلسطينيين غير المسلحين. ووسط الغضب المتزايد، والخوف وعدم الثقة، افترضت كل جهة ما هو أسوأ عن الأخرى، وتصرفت بناء على ذلك.

إن زيارة شارون لم تكن سبب "انتفاضة الأقصى"، لكن توقيتها لم يكن موفقاً. وكان بالإمكان التنبؤ بما يمكن أن تسببه من استفزاز. وحقاً، تنبأ بنتائجها أولئك الذين طلبوا منع الزيارة. والأمر الأكثر أهمية، هو الأحداث التي تلت: قرار الشرطة الإسرائيلية يوم 29 سبتمبر باستخدام وسائل فتاكة ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وما ترتب على ذلك من فشل، كما أشرنا سابقاً، لدى الطرفين في ممارسة الضبط.

لماذا حدث ما حدث؟

إن جذور العنف الحالي تمتد أكثر عمقاً. وأي قمة أو مؤتمر لا يحل الأمور من جذورها. لقد عمل كلا الجانبين، بوضوح، على خلق وهم عميق في ما يتعلق بتصرف الآخر، وفشله في إرضاء التوقعات المنبثقة عن مسيرة السلام، التي بدأت في مدريد سنة 1991، ثم في أوسلو سنة 1993. واتهم كل طرف الآخر بانتهاك تعهدات محددة، وبالنيل من روح التزامه لحل الخلافات السّياسية بطرق سلمية.

توقعات متباينة

لقد صدمتنا التوقعات المتباينة، التي عبّر عنها الفرقاء في ما يتعلق بتطبيق مسيرة أوسلو. إنّ النتائج، التي أنجزت من خلال تلك المسيرة، لم يكن يتخيلها أحد قبل أقل من عشر سنوات. وخلال الجولة الأخيرة من المفاوضات، كان الفرقاء أكثر قرباً، من أي وقت مضى، من حل نهائي.

مع ذلك، فإن كلاً من الفلسطينيين والإسرائيليين أبلغونا أن الأساس، الذي بنيت عليه مسيرة أوسلو ـ الوضع الصّعب للحل النهائي يؤجل إلى نهاية المسيرة ـ قد وقع بالتدريج تحت ضغط خطير. إن مسيرة الـ(الخطوة ـ الخطوة)، التي تم الاتفاق عليها من قبل الأطراف، بنيت على الافتراض بأن كل خطوة في مسيرة التفاوض، ستؤدي إلى تعزيز الثقة. ومن أجل إنجاز ذلك، كان على كل فريق أن يطبق الالتزامات المتفق عليها، وعدم اتخاذ ما قد يراه الآخر محاولات إساءة للمسيرة من أجل التحديد المسبق لشكل الحل النهائي. وإذا لم تتم مراعاة هذا المطلب، فإن خارطة طريق أوسلو لن تؤدي بنجاح إلى مآلها المتفق عليه. واليوم، يلوم كل فريق الآخر لأنه يتجاهل هذه السمة الجوهرية، مما تسبب في أزمة في الثقة، وهذه المشكلة أصبحت أكثر إلحاحاً، مع افتتاح محادثات الوضع النهائي.

لقد أعطت الحكومة الإسرائيلية أولوية للتحرك، نحو اتفاق للوضع النهائي، ضمن مناخ من عدم العنف، يتمشى مع الالتزامات المدرجة، في الاتفاقات بين الفرقاء، "حتى لو سارت الأمور أبطأ مما تم تصوره في البداية. فقد كان هناك، منذ بداية مسيرة السلام في مدريد سنة 1991، تقدّم متواصل نحو اتفاق الوضع النهائي، من دون اللجوء إلى العنف المتصاعد، الذي وسم الأسابيع القليلة الماضية".

وترى منظمة التحرير أن إعاقة العملية، نجم عن محاولات إسرائيل إطالة الاحتلال وتعزيزه. واعتقد الفلسطينيون أن "اتفاق أوسلو، سيؤدي إلى نهاية الاحتلال الإسرائيلي، في غضون خمس سنوات"، وهي المدة الزمنية، التي حُددت كمرحلة انتقالية في وثيقة إعلان المبادئ. وحسب وجهة النظر الفلسطينية، بدلاً من ذلك، وصلت الإعاقات الإسرائيلية المتكررة إلى ذروتها، في قمة كامب ديفيد، حيث "عرض الإسرائيليون ضم ما يقارب 11.2%، من أراضي الضفة الغربية (باستثناء القدس). كما عرض الإسرائيليون عرضاً غير مقبول، بشأن القدس والأمن واللاجئين. "وفي المجمل، فإن العروض الإسرائيلية، في كامب ديفيد، تضمنت، بالإضافة إلى ضم أفضل المناطق الفلسطينية إلى إسرائيل، السّيادة الدائمة لإسرائيل على القدس الشرقية، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية، والسيطرة الإسرائيلية على المصادر الطبيعية الفلسطينية، والأجواء والحدود الفلسطينية، وأخيراً عودة أقل من 1% من اللاجئين، إلى موطنهم.

لقد ارتأى الطرفان أن عدم التزام الاتفاقات، التي تم التوصل إليها، منذ بدء العملية السلمية، يعود إلى ضعف الإيمان بها. وأدت هذه النتيجة إلى انعدام الثقة تماماً، حتى قبل مرحلة المفاوضات النهائية.

منظورات متباينة

لقد تحولت وجهات النظر هذه، خلال الأشهر السّبعة الماضية، إلى حقائق متباينة؛ إذ ينظر كل طرف إلى الآخر، وكأنه تصرف بسوء نية. تحول تفاؤل أوسلو إلى معاناة وأحزان على الضحايا، وجسّد كل طرف، سواء بالتصريحات أو الأفعال، منظوراً عجز عن إدراك أي حقيقة، في وجهة نظر الآخر.

المنظور الفلسطيني

في ما يتعلق بالفلسطينيين، بشرت مدريد وأسلو بإمكان قيام الدولة، وضمان نهاية الاحتلال، وقرارات حول القضايا المهمة، ضمن مدة زمنية محددة. الفلسطينيون غاضبون بحق، من النمو المستمر للمستوطنات. كذلك، لدى الفلسطينيين مشاعر غاضبة تجاه تجاربهم اليومية المريرة والمذلة، الناجمة عن استمرار الوجود الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية. ويرى الفلسطينيون أن وجود المستوطنات والمستوطنين في مناطقهم، لا يشكل فقط انتهاكاً لروح عملية أوسلو، بل، أيضاً، تطبيقاً للقوة، بشكل يتناسب مع عقلية الهيمنة الإسرائيلية العسكرية، التي تُبقي على هذه المستوطنات وتحميها.

وينص الاتفاق الانتقالي على أنه: "يرى الطرفان بأن الضفة الغربية وقطاع غزة، وحدة مناطقية واحدة، يتم تحديد وضعها والسيادة عليها، في المرحلة الانتقالية". ويترافق مع ذلك نص في الاتفاق النهائي، يمنع اتخاذ أي خطوات تعمل على تغير وضع المفاوضات الانتقالية، إذ تمنع إسرائيل من الحق، في الاستمرار بالسياسة غير المشروعة في التوسع الاستيطاني. إضافة إلى الاتفاق المرحلي، فإن القانون الدولي المعروف، بما يتضمن معاهدة جنيف الرابعة، يمنع إسرائيل (كقوة محتلة)، من إنشاء مستوطنات في أراضٍ محتلة، بانتظار إنهاء الصراع.

وتزعم منظمة التحرير، أن القادة السياسيين الإسرائيليين لم يخفوا أن التفسير الإسرائيلي لأوسلو، تمت صياغته، بحيث يتم فصل الفلسطينيين في مناطق غير متواصلة، محاطة بحدود يسيطر عليها الإسرائيليون، مع وجود مستوطنات وطرق خاصة بها، تنتهك السيادة الفلسطينية. وحسب ما تدعيه منظمة التحرير الفلسطينية، فإنه في السنوات السّبع الأخيرة، ومنذ إعلان المبادئ، تضاعف عدد المستوطنين الإسرائيليين، إلى ما يقارب 200.000 نسمة، باستثناء القدس. أما في ما يخص القدس الشرقية، فقد ارتفع عدد المستوطنين إلى 170.000 مستوطن. وقد قامت إسرائيل بإنشاء 30 مستوطنة جديدة، ووسعت عدداً كبيراً من المستوطنات القائمة، لاستيعاب المستوطنين الجدد.

كما تدعي منظمة التحرير أن حكومة إسرائيل، فشلت في الإذعان لالتزامات أخرى، مثل الانسحاب اللاحق من الضفة الغربية، والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين. بالإضافة إلى ذلك، عبّر الفلسطينيون عن غضبهم، تجاه الطريق المسدود بخصوص مسألة اللاجئين، وتدهور الظروف الاقتصادية في الضفة الغربية، وقطاع غزة.

المنظور الإسرائيلي

إن توسيع النشاط الاستيطاني، واتخاذ إجراءات لتسهيل حياة المستوطنين وأمنهم، لا يعتبر ماساً بمفاوضات الوضع النهائي. "وتتفهم إسرائيل معارضة الجانب الفلسطيني، للمستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي تعترف بأن المستوطنات قضية مهمة، يجب أن يتم التوصل لاتفاق بشأنها، كجزء من أي حل للوضع النهائي، من دون تحيز للوضع الرسمي الراهن للمستوطنات. هذه المسألة تم الاعتراف بها، والاتفاق عليها، في إعلان المبادئ في 13 سبتمبر 1993، وأيضاً في اتفاقات أخرى بين الجانبين. وفي واقع الأمر، جرى الكثير من الحوار حول قضية المستوطنات بين الطرفين، في أثناء المفاوضات، التي يمكن أن تؤدي إلى اتفاق الوضع النهائي".

حقاً، تشير إسرائيل إلى أنه خلال قمة كامب ديفيد، وفي أثناء المحادثات اللاحقة لها، عرضت حكومة إسرائيل تقديم تنازلات مهمة، في ما يختص بالمستوطنات، في ظل اتفاق شامل.

إن الأمن هو الهم الأول لحكومة إسرائيل. وتدعي الحكومة الإسرائيلية، أن منظمة التحرير الفلسطينية أخلت بالتزاماتها، التي قطعتها على نفسها، وذلك بالاستمرار في استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية. إن الأمن كان ـ وما يزال ـ الهم الرئيسي في عملية السلام بالنسبة إلى إسرائيل، و"الأمن هو مسألة لن تساوم إسرائيل بشأنها، أو تقدم تنازلات حولها. إن فشل الجانب الفلسطيني في الالتزام بنص وروح البنود المتعلقة بالأمن، في العديد من الاتفاقيات، كان، ولأمد طويل، مصدراً لعدم الاستقرار، والانزعاج، في إسرائيل".

وحسب ما ترتئيه الحكومة الإسرائيلية، فإن الفشل الفلسطيني يتمثل بعدة وجوه: تحريض مؤسساتي ضد إسرائيل واليهود، إطلاق سراح الإرهابيين من السجون، والفشل في السيطرة على الأسلحة غير المرخصة، والقيام بعمليات عنف، تراوح بين إدخال عناصر مسلحة في التظاهرات، بالإضافة إلى اعتداءات إرهابية، على مدنيين إسرائيليين.

وتؤكد الحكومة الإسرائيلية، أن منظمة التحرير خرقت بوضوح إدانتها للإرهاب، وأعمال العنف الأخرى، "وبهذا زعزعت الثقة بشكل كبير بين الفرقاء". إن الحكومة الإسرائيلية تدرك، أن "هناك خيطاً ضمنياً، لكنه واضح، يدور في الطروحات الفلسطينية، مفاده أن العنف الفلسطيني، ضد إسرائيل والإسرائيليين، هو أمر شرعي ومبرر، ويمكن تفسيره".

أوقفوا العنف

إن ما مرّ به الإسرائيليون والفلسطينيون سوياً، خلال الشهور الماضية، كان ـ إلى حد كبير ـ تجربة شخصية، لكل فرد. فمن خلال صلة القرابة والصداقة والدين والمجتمع والمهنة، كان لكل شخص في كلا الجانبين، صلة بشخص قتل أو أصيب إصابة خطيرة، في أحداث العنف الأخيرة.

ورواياتهم مؤثرة جداً: في آخر زيارة لنا للمنطقة، التقينا عائلات ضحايا فلسطينيين وإسرائيليين. كانت هذه الروايات الشخصية، للأسى والحزن، تفطر القلوب، وتملؤها بحزن لا يوصف. وقد استعملت العائلات الفلسطينية والإسرائيلية الكلمات نفسها، للتعبير عن أحزانها. فعندما تتحدث أرملة طبيب إسرائيلي قُتل، وهو رجل سلام تضمن عمله تقديم العلاج لمرضى فلسطينيين، فهي تقول: يبدو أن الفلسطينيين مهتمون بقتل اليهود، لأنهم يهود وحسب. على الفلسطينيين أن يعيروا انتباهاً لذلك. ويستخلص أبوان فلسطينيان النتيجة نفسها، لدى مقتل طفلهما، وهو نائم في فراشه، بأن الإسرائيليين لا يحترمون حياة الفلسطينيين. على الإسرائيليين أن ينصتوا لذلك. وحين ترى أجساد الأطفال المتناثرة، تدرك أن آن الوقت، كي يوقف الكبار العنف.

وفي خضم انتشار العنف، صوّر الطرفان بعضهما بعضاً بالعدائية، بشكل تعميمي. ولا يمكن كسر هذه الدائرة بسهولة؛ ومن دون تصميم جدي، واستعداد للمصالحة، ستكون إعادة الثقة أمراً مستحيلاً.

وقف العنف

منذ عام 1991، التزم الطرفان، وبصورة مستمرة في كل اتفاقاتهما، عدم العنف، وقد قاموا بالشيء نفسه أخيراً، في قمتي شرم الشيخ، سبتمبر 1999، وأكتوبر 2000. ولوقف العنف الآن، فإن على السلطة الفلسطينية وحكومة إسرائيل، عدم معاودة الكرة ثانية، بل يجب اتخاذ خطوات فورية لإنهاء الصراع، والتأكيد، من جديد، على الالتزامات المتبادلة، والبدء في المفاوضات.

استئناف التعاون الأمني

قال لنا المسؤولون الأمنيون الفلسطينيون، إنّ هذا الأمر يتطلب بعض الوقت، ربما عدة أسابيع، كي تستعيد السّلطة الفلسطينية سيطرتها الكاملة على العناصر المسلحة، التي تقع تحت إمرتها، وعليها أن تمارس تأثيراً فعّالاً على العناصر المسلحة الأخرى، العاملة في المناطق الفلسطينية. ولم ينازع المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون هذه التأكيدات.

المهم أن تقوم السلطة الفلسطينية بكل ما تستطيع من جهد، لتطبيق وقف شامل للعنف، وأن يكون هذا جلياً للحكومة الإسرائيلية. وبشكل مماثل، على الحكومة الإسرائيلية أن تقوم هي الأخرى ببذل جهد كامل (100%)، لضمان عدم جعل نقاط الاحتكاك المحتملة ـ حيث يحتك الفلسطينيون بالمسلحين الإسرائيليين ـ مسرحاً لعداء متجدد.

إن انهيار التعاون الأمني في بداية أكتوبر، قد عكس القناعة، لدى كل طرف، بأن الآخر قد ألزم نفسه بطريق العنف، تجاه الآخر. ولو أن الفريقين يرغبان في الوصول إلى 100% من الجهود لمنع العنف، فإن الاستئناف الفوري للتعاون الأمني يكون إلزامياً.

إننا نتفهم تردد السلطة الفلسطينية، في أن تُرى، وكأنها تسهّل عمل قوات الأمن الإسرائيلية، في غياب سياق سياسي واضح (أي مفاوضات ذات مغزى)، وتحت تهديد التّوسع الاستيطاني الإسرائيلي. حقاً، إن التعاون الأمني لا يمكن دعمه، من دون مثل تلك المفاوضات، علاوة على إجراءات تُفسر على أنها سلبية، على نتيجة المفاوضات.

زد على ذلك، أنه من دون تعاون أمني فعّال، فإن الفريقين سيمضيان في اعتبار كل عمل من أعمال العنف، قانونياً رسمياً. ولكي يتم التغلب على الطريق المسدود الراهن، فإن على الجانبين التفكير بالطريقة المثلى، لإحياء التعاون الأمني.

إننا نثمِّن الجهود الحالية في ذلك الشأن، والتعاون الفعّال يعتمد على خلق ودعم مناخ من الثقة، وعلاقات شخصية طيبة.

إن الأمر متروك للفرقاء أنفسهم، ليتحملوا عبء التعاون اليومي، إلا أنّ عليهم، أن يبقوا منفتحين لقبول مساعدة من آخرين، لتسهيل عملهم ـ ومثل تلك المساعدة الخارجية يجب أن تحظى بموافقة مشتركة، وأن لا تهدد الترتيبات الثنائية الجيدة، وأن لا تكون بمثابة محكمة، أو تدخلاً بين الطرفين.

كان هناك تعاون أمني جيد حتى السنة الماضية، استفاد من المساعي الحميدة للولايات المتحدة، واعترف الجانبان بأنها مثمرة، وقد تم دعمها بشكل غير مباشر، بمشاريع أمنية، ومساعدة من الاتحاد الأوروبي. إن دور المساعدة الخارجية يجب أن يتمثل في خلق الإطار المناسب، ودعم النوايا الحسنة لدى الجانبين، في أمن ورفاهية كلا الشعبين، إذا أريد لتلك الجهود، أن تحظى بموافقة الجانبين.