إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)









أمن البحـــر الأحمــر

المبحث الأول

دواعي الانتفاضة وأسبابها

أولاً: مكانة القدس عند المسلمين

تعد مدينة القدس من أقدس الأماكن عند المسلمين، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة. وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم مراراً على أنها الأرض المقدسة، والأرض المباركة، حيث قال تعالى: ]سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [ w (سورة الإسراء: آية 1)، وقال تعالى: ]وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِين[ w  (سورة الأنبياء: آية 71)، وقال تعالى: ]وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ[ w (سورة الأنبياء: آية 81).

كما ورد أيضاً في فضلها ومكانتها أحاديث كثيرة، منها:

حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ r وَسَلَّمَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِلالاً ثَلاثَةً سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْماً يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لا يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّه[ُ (سنن النسائي: 686).

وحديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيه[ِ (البخاري: 3115).

وحديث أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ]قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ[ (مسند الإمام أحمد: 21286).

وقد جعلت هذه الآيات والأحاديث النبوية، في حق بيت المقدس والمسجد الأقصى، مكانة مميزة، وأهمية خاصة بهما، برزت واضحة مع وجود الاحتلال اليهودي الذي يخطط للسيطرة التامة على المدينة، وهدم المسجد الأقصى لإقامة الهيكل.

ثانيا: عند اليهود

يرى اليهود أن للقدس أهمية خاصة ومميزة في عقيدتهم، ويُعدون الأرض المقدسة "أرض الميعاد"، ويرددون باستمرار: "لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل " ويتغنون بشعارهم المعروف: "شُلّت يميني إن نسيتُك يا أورشليم"، ولذلك يحرصون على أن تكون خالية تماماً من أي مقدسات غير يهودية. ومنذ أن وطأت أقدامهم أرض بيت المقدس، وهم يعدون العدة لبناء هيكلهم وإعلان القدس الموحدة الكبرى، تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة.

وفي هذا الإطار، وللدلالة على أهمية القدس في عقيدتهم، وشعورهم بواجب التمسك بها، صرح وزير الخارجية الإسرائيلي شلومو بن عامي، للمستوطنين في القدس بعد عودته من جولة من المفاوضات بشأن القدس، قائلاً: "لقد جئنا إلى جبل الهيكل لكي لا نفارقه أبداً"، وجبل الهيكل " Temple mount" اسم يطلقه اليهود على مدينة القدس، أو على مكان المسجد الأقصى، وهو اللفظ الذي ظلت تردده وزيرة الخارجية الأمريكية "مادلين أولبرايت"، أثناء اجتماعها بباراك وعرفات في مفاوضات عملية السلام، حتى أغاظ ذلك عرفات، فطلب منها تغيير هذا اللفظ والاستعاضة عنه بـ"المسجد الأقصى" ولكنها رفضت وأصرت على تسميته بجبل الهيكل.

وقبل ذلك قدم بنيامين نتانياهو، خلال رئاسته للحكومة الإسرائيلية، هدية إلى رئيس الكنيسة اليونانية المطران مكسيموس سلوم في 29 ديسمبر 1996م، هي مجسم من الفضة للقدس القديمة، لا يظهر فيه المسجد الأقصى نهائياً، بل استبدل مكانه رسم مجسم للهيكل.

إن حرص اليهود على القدس، دفعهم إلى العمل المحموم من أجل جعلها يهودية 100%. ولذلك بدأت مشاريع تفريغها من سكانها منذ اليوم الأول، الذي احتل اليهود فيه القدس الغربية عام 1948م، ثم القدس الشرقية عام 1967م.

ولأهمية المدينة، على الأخص المسجد الأقصى، لطرفي الصِّراع، فإن التمسك بها، والإصرار على السيطرة عليها من كلا الطرفين، شكل بؤرة ساخنة للصراع، وجعل كل الجهود، التي بذلت من أجل السلام، تذهب أدراج الرياح.

ولذلك فإنّ التوصل إلى اتفاق بشأن القدس في المفاوضات، ظل أمراً معقداً للغاية، على الرغم من تقديم أكثر من عشرين تصوراً واقتراحاً ومشروعاً.

ونظراً لما تشهده الأرض الفلسطينية من صحوة دينية، ولما يشهده الكيان الإسرائيلي من هيمنة الدينيين، وقوة تأثيرهم ونفوذهم، كانت "الانتفاضة" شديدة وعنيفة، شملت كل فلسطين.

ثالثاً: دواعي الانتفاضة وأسبابها

يُمكن أن تُقسّم أسباب انتفاضة الأقصى ودواعيها، إلى قسمين رئيسيين، هما: دواعٍ وأسباب مباشرة، ودواعٍ وأسباب غير مباشرة

فالقسم الأول للانتفاضة، له سببان مباشران: أحدهما أشعل فتيلها، والآخر أدى إلى دفعها واستمرارها، وتصاعد حدتها، وهما كما يلي:

1. زيارة زعيم حزب الليكود "أرييل شارون" للمسجد الأقصى (أُنظر ملحق بيان حول إعلان الإرهابي شارون اعتزامه التجول في الحرم القدسي الشريف)، يوم الخميس 28 سبتمبر 2000، في غمرة مفاوضات سرية كشف عنها مؤخراً بين رئيس الحكومة إيهود باراك ونتانياهو ، لتشكيل حكومة وحدة وطنية، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد، أن هناك تفاهماً ما بين حكومة باراك وحزب الليكود، على تنفيذ هذه الزيارة، بهدف تأكيد السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى المبارك، وتوجيه رسالة قوية للسلطة الفلسطينية، مفادها أن السلطة والمعارضة في الكيان الصهيوني، مجمعون على التمسك بالسيادة على القدس مهما كلف الثمن.

وقد جاءت هذه الزيارة بعد إخفاق قمة "كامب ديفيد 2"، في التوصل إلى اتفاق حول موضوع القدس، على الرغم من تحقيقها اختراقات مهمة على صعيد قضايا اللاجئين والمستوطنات والسيادة، وما رافق ذلك من هزات عنيفة واجهتها حكومة باراك في ائتلافها الحكومي، انتهت بالتصويت على حل الكنيست، وإجراء انتخابات جديدة، قد تؤدي في حال عدم اكتمال مفاوضات التسوية، إلى تضاؤل فرص إعادة انتخاب باراك، أمام منافسه نتانياهو .

2. معالجة الحكومة الإسرائيلية لأحداث الانتفاضة بعنف شديد، وإتباع أساليب قمع قاسية، ظناً أن ذلك سيخمدها، ويطفئ نارها. فقد ارتُكبت خلال الأشهر الأولى للانتفاضة جرائم بشعة، مثل القصف الصاروخي ـ الجوي والبري والبحري ـ على المناطق السكنية، وقتل عدد كبير من الفلسطينيين، رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً، بطرق وأساليب مروعة. وكان أكثرها إثارة لمشاعر الرأي العام، مقتل الطفل "محمد الدرة" بين أحضان أبيه، وهما يختبئان خلف برميل إسمنتي؛ ومقتل الطفلة "سارة" في سيارة أبيها، وفي حضن ابنة عمها برصاصة في الدماغ، مع أنها لم تتجاوز العامين من عمرها، وغيرهم من الأطفال الذين تجاوزت نسبتهم في القتلى والجرحى 40%، من بين مجموع الضحايا. وكذلك ما حدث لعصام جودة، الذي خطف وقتل وأحرق ومثّل به أبشع تمثيل، على يد المستوطنين في مدينة الناصرة. مثله ما حدث في مدينة الخليل، من سحل للقتلى وتقطيع للأوصال على مرأى من الصحفيين، الذين نقلوا مشاهد مأساوية مروعة.

هذه الأساليب العنيفة، التي ظن الإسرائيليون أنهم سيقمعون بها انتفاضة الأقصى، أدت إلى ردود فعل زادت من حدة الانتفاضة، وأعطتها دفعاً قوياً للأمام. فأججت شهوة الانتقام، والرغبة في الثأر، وحركت المشاعر، وأشعلت نار الغضب الجماهيري العارم، الذي جعل يقاوم ويهاجم بعنف وبسالة.

أما الأسباب غير المباشرة، فتندرج تحت عناوين بارزة نجملها فيما يلي:

1. دواعٍ وأسباب دينية

أ. الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى المبارك

يُعد المسجد الأقصى المبارك من أقدس مقدسات المسلمين، نظراً لما ورد فيه من القرآن والسنة. لذلك يظل وضعه ماثلاً في قلب كل مسلم، ويُعد احتلاله مأساة لا بد من إنهائها، ولو بعد حين.

ونظراً لمعتقد اليهود، الذي يفرض عليهم إعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى، فإن الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك لم تتوقف. فمنذ اليوم الأول، الذي وطأت فيه أقدام اليهود مدينة القدس المباركة، شرعوا في دك أسافينهم فيها، فعمدوا مباشرة إلى إخلاء حي المغاربة المجاور للمسجد الأقصى، من سكانه المسلمين، وهدمه لإنشاء معبدهم عند حائط البراق، الذي أطلقوا عليه "حائط المبكى".

وتتابعت بعد ذلك الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك، وعلى أهله من أبناء فلسطين، الذين أبوا التخلي عنه، وآثروا الحياة في كنفه على الرغم من كل مخاطر الموت والفناء، ومحاولات الإبادة وإجراءات التضييق والتعذيب والاضطهاد.

وقد تعرض المسجد الأقصى لأكثر من 35 اعتداءً صهيونياً، منذ احتلاله عام 1967م، كان أهمها وأخطرها الحريق، الذي نفذه الأسترالي "مايكل دينيس روهان". عدا الحفريات المستمرة، التي شملت مساحة واسعة تحت أرضيته، كان أكبرها النفق الذي افتتح سنة 1996.

وكان الدافع وراء كل هذه الاعتداءات، التي شهدها المسجد الأقصى، اعتقاد اليهود الاعتقاد أن أرض المسجد هي التي أقام عليها نبي الله سليمان، عليه السلام، هيكلهم المزعوم.

ومن أجل ذلك جرت محاولات حثيثة ـ ولا تزال ـ من أجل الحصول على قطعة أرض في ساحة المسجد الأقصى، للشروع في بناء الهيكل، كخطوة ممهدة على طريق هدم الأقصى، وإحلال الهيكل مكانه.

وظل الحُلم يراود اليهود ـ متطرفين وحمائم ـ في إعادة بناء الهيكل، تمهيداً لظهور المخلص، الذي يعتقدون قرب خروجه، ليقودهم إلى حكم العالم. ويوماً بعد يوم يشعر اليهود أنهم اقتربوا أكثر فأكثر من تحقيق هذه الحلم الذي يشكل خطراً جسيماً، وقنبلة موقوتة، لا يدري أحد إلى أين ستؤدي بكل من الشعب الفلسطيني والغاصبين اليهود على السواء؟ وهل سيقتصر الأمر على الشعبين، أم سيجر معهما شعوباً ودولاً عديدة، لها علاقة في الصراع؟

عمد اليهود خلال الفترة الأخيرة، إلى تجهيز كل مستلزمات الهيكل المزمع بناؤه، وأحضروا المهندسين المهرة لتنفيذ هذا المشروع، ووضعوا مجسماً كبيراً، تزيد مساحته على 400م2، ونحتوا صخوره وأدواته حتى لم يبق أمامهم سوى الشروع في عملية الهدم والبناء!!

وبناء على هذا كانت زيارة "أرييل شارون" يوم الخميس 28 سبتمبر 2000 للمسجد الأقصى، برفقة 2000 من جنوده وضباطه، لتمهد لوضع حجر الأساس للهيكل بالقرب من الصخرة.

وقد شكلت هذه الاعتداءات المتكررة، والتي لم تتوقف على المسجد الأقصى المبارك، أهم العوامل لانفجار الانتفاضة الثانية، التي سُميت "انتفاضة الأقصى". فقد شهد المجتمع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، تصاعداً ملحوظاً في تأثير الجماعات الدينية المتطرفة على الحياة الإسرائيلية، والتأثير في مجريات الأحداث، والضغط على الحكومة، لتحديد اتجاه عملية السلام. كما ارتفعت حدة الخطاب الديني، وهيمنت المعتقدات التلمودية على نسبة كبيرة من أبناء المجتمع الإسرائيلي، الذي نقل ذلك إلى ممارسات وتصرفات عملية، تجاه أبناء الشعب الفلسطيني.

وازدادت اعتداءات المتطرفين اليهود على الفلسطينيين، بنسبة كبيرة في الآونة الأخيرة، وتمثلت في الخطف والهجوم الليلي، والتعرض للمارة، والتخريب، وقطع الأشجار، وسرقة الأراضي وضمها إلى المستوطنات، والاستيلاء على المنازل المجاورة، وغير ذلك مما أدى إلى رفع درجة الغضب والغليان في صدور الفلسطينيين.

وقد تعرض أهالي مدينة القدس ومدينة الخليل لأكبر قدر من اعتداءات المتطرفين اليهود، وذلك لطبيعة المدينتين الدينية، وأهميتهما لكل من المسلمين واليهود، ولأن المستوطنين يعيشون حول وبين المسلمين من أهل المدينتين، حيث يكثر الاختلاط والاحتكاك، مما يفسح فرصاً أكثر للمواجهة.

ب. الوعي الديني والصحوة الإسلامية

مع تعاظم الصحوة الإسلامية، وازدياد الوعي الديني في فلسطين، ازداد التمسك بالوطن والأرض، التي تعتبر مقدسة دينياً، ولها أهميتها ومكانتها البارزة. ولم تقتصر الصحوة على أبناء غزة والضفة الغربية، وإنما تعدت ذلك لتشمل فلسطينيي 1948، الذين ظلوا يعيشون ضمن المجتمع الإسرائيلي.

أثارت هذه الصحوة المخاوف لدى اليهود، وشعروا أنهم أمام نوع جديد من العداء، خاصة بعد ظهور أثر ذلك في العمليات المسلحة، التي كانت شكلاً من أشكال تطور المواجهة، خلال الانتفاضة الكبرى.

وكان من صور الصحوة والوعي الديني، انتشار مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وزيادة عدد المساجد، والجمعيات الخيرية، وبناء جامعة إسلامية في غزة، وافتتاح كليات للشريعة في القدس والخليل والناصرة وأم الفحم، وإنشاء "رابطة علماء فلسطين".

وحاول اليهود خلال الانتفاضة القضاء على الصحوة الإسلامية، وإخمادها، وذلك باتباع سياسة الاعتقال المكثف ـ خاصة لأعضاء "رابطة علماء فلسطين" ـ والإبعاد الجماعي، والقتل والتعذيب، والإسقاط في شباك العمالة، والترهيب بكل الوسائل المتاحة، ولكن دون جدوى. فقد ازداد الإقبال على التمسك بالدين، واشتعلت جذوة الإسلام في النفوس من جديد، وتحولت المعتقلات إلى مدارس لتحفيظ القرآن وتلقي العلوم الدينية. واستطاع المبعدون أن ينظّموا أنفسهم ويغتنموا هذه الفرصة، لنقل ما يحدث في فلسطين وبثه للعالم أجمع، وكسر الطوق الإعلامي المفروض عليهم.

كان لذلك كله أثر كبير في نفوس الفلسطينيين، الذين ارتفعت معنوياتهم، وازدادت مظاهر التكافل والتعاون لديهم، وشهدوا نوعاً من الترابط، لم يشهدوه من قبل.

وتمثلت الصحوة، أيضاً، في نتائج الانتخابات، في الجامعات والمعاهد والنقابات المهنية، حيث حصلت الحركة الإسلامية على أغلبية المقاعد، مما يعكس التوجه الإسلامي المتعاظم، لدى مختلف الفئات الفلسطينية.

ونتيجة لانتشار الصحوة بين أبناء فلسطينيي 1948م، ظهرت آثار ذلك جلية واضحة في حياة أكثر من مليون مسلم، يعيشون ضمن مجتمع اليهود، حيث أنشئت جمعية الأقصى والمقدسات الإسلامية في أم الفحم، ولجنة الإغاثة في الناصرة، وأقيمت كلية لتدريس علوم الشريعة في أم الفحم، وظهر دعاة نشيطون عملوا بجهد مميز في نشر الدعوة بين فلسطينيي 1948.

وكان من أبرز مظاهر الصحوة، إقامة مهرجان سنوي باسم " مهرجان الأقصى في خطر"، وكان يعقد في الملعب البلدي في قرية أم الفحم، التي يُطلق عليها أهلها "أم النور"، تيمناً بالصحوة. وكانت بداية المهرجان سنة 1995، وحضره أكثر من عشرين ألفاً، ثم تطور ليصل عدد الحضور في المهرجان الخامس سنة 1999 حوالي 100.000 مشاهد، بعضهم جاء من دول أوروبا وأمريكا. وشكل هذا المهرجان عاملاً من عوامل التمسك بالأقصى، والاهتمام به، بشكل بالغ. وقد انعكس أثر ذلك على أهالي منطقة 48، مع اشتعال شرارة الانتفاضة، حيث هبوا جميعاً يناصرون أهل الضفة وغزة في محنتهم، وبشكل مدروس، بدرجة معينة، كانت رسالة للحكومة الإسرائيلية، أن المسلمين يد واحدة في الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك!!

كما كان من مظاهر الصحوة، الالتفاف حول حركة المقاومة الإسلامية، واختيار الجهاد، والاستعداد للشهادة بصبر وثبات، وتحمل أعباء المواجهات. فقد ترسّخ لدى الناس حب الشهادة، والرغبة في بعث روح الجهاد من جديد، كوسيلة للتحرير ورفع قيود الضيق والعنت، التي فرضتها سياسة الاحتلال.

وقد أثار ذلك الذعر في نفوس اليهود، حيث صدرت تصريحات على لسان كبار المسؤولين في الدولة العبرية، تحذر من خطر تنامي "الأصولية الإسلامية"، في فلسطين المحتلة والمنطقة.

ومن هذه التصريحات ما ورد على لسان شاعر الصهيونية "إيلي رندان"، الذي يعد من ألمع الشعراء اليهود في إسرائيل في الوقت الحاضر، وأغزرهم إنتاجا وأقربهم لدائرة صنع القرار، ويتوجه الساسة الإسرائيليون إلى بيته، ويتنافسون على أخذ الصور التذكارية معه، أثناء وجودهم في مجالسه. ويحرص قادة الدولة اليهودية، سواء كانوا من الحمائم أو الصقور، على إلاّ يتركوا مناسبة إلاّ ويقتبسون من قصائد هذا الشاعر؛ لأنها تمثل ما يعرف في "إسرائيل" بـ"روح الحركة الصهيونية".

وقد كتب هذا الشاعر قصيدة مهمة عدّها "خلاصة الحقيقة المرة"، تناولت نظرته إلى انتفاضة الأقصى، وتصوره لتأثيرها على إسرائيل ومستقبلها، سماها: "سم في مذاق العسل". وقد وجه ـ في مستهلها ـ خطابه إلى شاب يهودي يدعى "إسحاق"، يستقر حالياً في أوكرانيا، ويهم بالهجرة إلى فلسطين، قائلاً له:

"على رسلك يا إسحاق، إلى أين أنت ذاهب؟ إلى بلاد السَّمن والعسل؟ لماذا تصمت؟! أجبني، أم أن سؤالي يثيرك؟ لا بأس، أنا لن أصمت بعد اليوم.

إسحاق، لماذا يبحث الناس عن السمن والعسل؟ أليست هاتان المادتان لحفظ حياة الإنسان، وسد رمقه، ورمق أطفاله، ولكن عندما يتطلب الحصول عليها أن يضحي المرء بروحه وأطفاله، فإن من يصر على الحصول عليها هو أحمق، حتى في نظر البسطاء،. بالطبع تستطيع أن تأتي، وستجدهم يستقبلونك أحر استقبال، أذرع ممدودة لك، فتيات جميلات ينتظرنك، عند سلم الطائرة في المطار، يقدمن لك باقات الورود. فأنت بطل؛ لأنك عدت إلى أرض الأجداد، وقد تحظى بقبلاتهن الحارة، مسرحية كبرى ستشاهدها، وتكون أنت ـ غصباً عنك ـ أحد ممثليها، فأنت الذي أتيت لكي تُحْيِي تراث الأجداد، وتصدق النبوءات القديمة، أنت رجعت إلى وطنك بعد ألفي عام!!! رجعت لكي تحيا فيه للأبد، كي تنهل من العسل، ويطيب لأطفالك تناول سمن هذه البلاد.

هم لن يتركوك تنعم بالراحة والسّكينة، لن يمهلوك كثيراً من الوقت، هم لم يخبروك الحقيقة، هم لم يخبروك الحقيقة المُرّة والقاتلة، هم لم يقولوا لك: إنّ هناك قوماً آخرين غيرنا، يدّعون أن السمن والعسل ملكهم، وأنه لا حق لنا في تناوله. لم يقولوا لك: إن هناك شعباً آخر، هم قالوا لك: إن هناك بعض الرعاع (الفلسطينيين) الذين بالإمكان معالجتهم، كما عالج "العم سام" الهنود الحمر في أمريكا، ويقولون لك: لماذا لا نتعلم من تجارب حليفنا الأكبر والأوثق، ونستخدم الوسائل نفسها، نحن متحضرون صحيح، لكنه الصراع على الوجود، وكل شيء فيه مباح، عندنا اقترضوا من ميكافيللي منهجه.

بإمكانك أن تفعل ما يحلو لك. لكنك سرعان ما تصطدم بالحقيقة المرة يا إسحاق، ستعترف بخطيئة حياتك، وستكتشف أنك أسأت لأطفالك، فهؤلاء الرعاع ليسو هم الهنود الحمر، الذين يتحدثون عنهم، هؤلاء الذين بثوا هذه الخزعبلات في ذهنك "خَوْزَقُوك" !!!، حقا، هم لم يقولوا لك الحقيقة.. أن هؤلاء الرعاع لهم قدرة كبيرة في تغيير تأثير الأشياء، فالسمن والعسل اللذان يُستخدمان لرفد الإنسان بالحياة، حوّله هؤلاء الرعاع إلى سم زعاف، تستلذ بطعمه لكنك سرعان ما تتحول إلى جثة هامدة!.

إسحاق، إذا كنت مصمماً على القدوم على الرغم من نصائحي، إذا ضقت ذرعا بالحياة في كييف (عاصمة أوكرانيا)، وأردت القدوم لبلاد الفرص الواعدة، ففكر ملياً ملياً، عليك أن تعي أنك تحضر هنا لكي تمتشق سيفك، الموت يا إسحاق مزروع في هذه البلاد، في شوارعها وفي جبالها وفي هضابها وفي أزقتها وفي الزرقة الداكنة لبحرها، وفي هوائها أيضاً.

إسحاق، هي كما قالوا قديما "أرض تأكل ساكنيها"، إسحاق، لا أخفيك أنني، وعلى الرغم من أنني أكفر بكل ما جاء في الكتب القديمة، فإنني أحترم أجدادنا الذين رفضوا دخول هذه البلاد مع نبيهم موسى، لقد فعلوا الشيء الصحيح. التيه في صحراء سيناء، والعيش على أوراق الشجر الشاحب، أفضل من أن تموت هكذا. إسحاق، إذا صممت على القدوم، على الرغم من نصائحي، فكل الاحترام لك، أنت إنسان مقدام تستحق الاحترام، لكن علام التضحية، ومن أجل أي شيء الفداء؟! إسحاق، سيفك لن يكون كعصا موسى، التي شقت البحر، ولن يكون أحد فينا كالملك داود، لا يغررك ما يقولون، المعركة لم تنته بعد، كل حديثهم عن الانتصارات خداع، لكن أي انتصارات تلك، التي لم تجعل الفلسطينيين يسلّمون ـ على ضعفهم ـ بالحقيقة التي نريدها؟ أي انتصارات تلك، التي لم تقنعهم أن يتخلوا عن الإيمان بآيات قرآنهم، وبوعد الرب لهم بالنصر من جديد؟

إسحاق أخي، يخيل لي أن المعركة قد بدأت للتو.. إسحاق أخي، رحمة بأطفالك.. ارجع ونم!!" .

فهذا نموذج يعبر عن الحالة التي وصل إليها كثير من اليهود، نتيجة الانتفاضة وتصاعد مواجهاتها اليومية.

ومع بروز هذه الصحوة، بهذه القوة، تراجعت عملية السلام، وحلّ محلها خيار المقاومة، خاصة بعد بروز دور رابطة علماء فلسطين في تحريك الشعب الفلسطيني، واستجابة الشعب لتوجيهاتها. وكمثال على هذا الدور، تلك الفتاوى التي حذّرت فيها الرابطة من التمادي في عملية السلام، والتخلي عن أبرز القضايا المهمة، كقضية القدس، واللاجئين، والمستوطنات. وكمثال، ورد في إحدى فتاوى الرابطة، المتعلقة بعملية السلام ما يلي:

ج. فتوى شرعية صادرة عن رابطة علماء فلسطين

الحمد لله رب العالمين، الذي شرّفنا بالمرابطة في فلسطين، الأرض المباركة، مصداقاً لقوله تعالى: ]سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [ w (سورة الإسراء: آية 1)، والصلاة والسلام على رسولنا محمد r، الذي أثنى على سكان بيت المقدس وأكنافها، القائل:  لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .

وارض اللهم عن الصحابة الكرام، الذين فتحوا القدس وفلسطين، وبذلوا دماءهم الزكية، التي جُبلت في تربة فلسطين أما بعد:

حيث إن القضية الفلسطينية، ودرتها القدس الشريف وقضية اللاجئين، تمر بأخطر مراحلها، وعلى ضوء ما يجري في مؤتمر كامب ديفيد من مفاوضات، فإننا في رابطة علماء فلسطين نؤكد على ما يلي:

أولاً: إن فلسطين ـ ودرتها القدس ـ من بحرها إلى نهرها، هي أرض عربية وإسلامية، ووقف إسلامي، وهي ملك لشعبنا وأمتنا العربية والإسلامية عبر الأجيال، وهي أمانة في أعناق كل العرب والمسلمين، يحرم التنازل عنها، أو عن أي جزء منها.

ثانياً: إن القدس هي مسرى نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، وفيها المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، وهي مدينة عربية إسلامية، ومهوى أفئدة المسلمين في العالم، احتلتها إسرائيل في عامي 48 و67 وتحريرها واجب شرعي ووطني وقومي، على كل العرب والمسلمين.

ثالثاً: اللاجئون والنازحون الفلسطينيون أخرجوا من فلسطين بغير حق، ظلماً وعدواناً، بسبب الإرهاب الصهيوني، والمذابح البشعة، والطرد القسري، والتهجير الإجباري، الذي ارتكبته العصابات اليهودية. وعليه: فإن عودتهم إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم وممتلكاتهم، حق شرعي وتاريخي لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن، والصهاينة يتحملون المسؤولية القانونية والأخلاقية عن ذلك.

لذا، فالحكم الشرعي بأي اتفاق بتعويض اللاجئين، بدلاً عن حق عودتهم أو توطينهم خارج وطنهم، باطل شرعاً، ومن يرضى بالتعويض بدل حق العودة يعتبر بائعاً لوطنه. وهذا التعويض حرام شرعاً، كما أفتى بذلك علماء المسلمين في فلسطين وخارجها، قديماً وحديثاً.

رابعاً: أي اتفاقية يتم فيها التنازل عن فلسطين، أو أي جزء منها، خاصة القدس، أو عن حق اللاجئين في العودة، فهو باطل شرعاً وغير ملزم لشعبنا وأمتنا، لأن فلسطين ليست ملكاً لأي فرد أو تنظيم أو دولة أو جيل، وإنما هي ملك لكافة العرب والمسلمين، وعليهم رفضه ونقضة.

خامساً: إن تحرير فلسطين، ودرتها القدس والمسجد الأقصى وإعادة ملايين اللاجئين، لا يتم ولا يتحقق عن طريق المفاوضات، وإنما بالجهاد، درب الصحابة ودرب صلاح الدين فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.

وفي الختام: إننا في رابطة علماء فلسطين، نطالب كل العرب والمسلمين، شعوباً وحكاماً، أن يتحملوا مسؤولياتهم لتحرير مسرى نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، والقدس والبلاد والعباد، والوقوف سداً منيعاً أمام أي تفريط فيها، أو بجزء منها. وندعو شعبنا وأمتنا إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً، وبتقوى الله عز وجل، ورص الصفوف، ونبذ الفرقة، امتثالاً لقول الله تعالى ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا[ w (سورة آل عمران: آية 103)، وقوله تعالى ]إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ[ w (سورة الصف: آية 4).

اللهم قد بلغنا، اللهم فاشهد

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

23 ربيع الآخر 1421 هجري ـ 25 يوليه 2000 "رابطة علماء فلسطين"

وكان لمثل هذه الفتاوى أثر بارز في توجيه الشعب الفلسطيني، وتحريكه لمواجهة الاحتلال، ورفض عملية السلام وما تمخضت عنه من نتائج ملموسة، على أرض الواقع.

كما أنها تعبر عن الدور الذي اضطلع به العلماء، في حماية القضية من التمييع، والحفاظ على إطارها الإسلامي، وتوثيق علاقة الدين بشؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

2. دواعٍ وأسباب سياسية

أ. تراكمات عملية السلام

سبع سنوات متتالية انطوت على كم هائل من الوثائق والعهود والمواثيق، التي أفرزتها مفاوضات متتابعة لم تتوقف، ولقاءات واجتماعات كثيرة لا تكاد تحصى، ومؤتمرات على مستويات مختلفة، في مناطق عدة من العالم، كلها من أجل التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، وتسوية بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، واتفاق ينهي الصراع المحتدم بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولكن كل هذه الجهود كانت دون جدوى !!

وكان رأي الشعب الفلسطيني أن اتفاقات أوسلو ومدريد، أشبه ما تكون بعملية استسلام وخضوع للإرادة الصهيونية، بل إنها إرغام للفلسطينيين على الرضا بالتعامل مع اليهود، وخدمتهم وحماية أمنهم، مقابل فتات لا يسمن ولا يغني من جوع، وصفقات خاسرة لا تجلب للشعب إلاّ المزيد من العنت والضنك. ولما رأوا أن هذه الاتفاقات تفتقر إلى العدل والإنسانية، وتهضم حق الشعب الفلسطيني، الذي لم يَجْن من ورائها إلا المزيد من العنت والشقاء.

وتبع معاهدات أوسلو ومدريد، اتفاقات "واي بلانتيشن"، ومعاهدات "شرم الشيخ"، ووثيقة "كامب ديفيد"، ثم واشنطن، وما ترتب عليها من لقاءات ثنائية، في غزة وتل أبيب، وتنسيقات أمنية، ومبادرات سياسية، وإجراءات عسكرية، وغير ذلك من المفاوضات والاتفاقات، من أجل حل بعض المشكلات العالقة والقضايا الخلافية، مما شكل حالة من الدوران في حلقات مفرغة.

وكل تلك الاتفاقيات، التي أبرمت أساساً لتحقق للشعب الفلسطيني حياة كريمة، وتغير من معيشته البائسة، وتدر عليه الخير العميم، وتفك عنه الحصار لتفتح له الأبواب على العالم الخارجي، وتحرر اقتصاده، وتلقي عن كاهله ثقل الضرائب والمكوس والمصادرات، وتضيء له المستقبل، لم تستطع تحقيق شيء يسير من هذه الآمال، ولم تجلب إلا المزيد من الضنك والبؤس، حيث مزقت الأرض، وفرقت الناس، وأقامت الحواجز الجديدة، وأنشأت الطرق الالتفافية للمستوطنات، وزادت من جشع المستوطنين لنهب مزيد من الأرض، بحجة أمن المستوطنات، وتأمين طرق الالتفاف للوصول إليها، دون المرور بمناطق السلطة، ورفعت نسبة الاعتداء على الفلسطينيين، وظل المعتقلون في سجونهم، ولم يفرج إلا عن القليل ممن لم يعد يشكل أي خطر على الصهاينة. كما ازدادت إجراءات السفر المعقدة على المعابر الحدودية. وغير ذلك من الممارسات التعسفية.

وعقب وصول السلطة الفلسطينية إلى غزة، توقفت الانتفاضة الكبرى على أمل تحقيق بعض الأحلام، التي وعدت بها، ولترك فسحة تُثبت السلطة من خلالها صحة هذه المزاعم. لذلك رضي الشعب باختبار هذه التجربة، وأفسح المجال للسلطة لتثبت أنها جاءت لتغير الواقع الفلسطيني نحو الأفضل. ولكن مع مرور الزمن بدأت تظهر الآثار المفجعة، وتبرز النتائج المروعة، المتمثلة في مزيد من الضغط والضيق والعنت. وتغيرت البنية الاجتماعية، بنشر الفساد مثل الكازينوهات والخمارات الليلية، مثل كازينو أريحا الضخم للعب القمار والميسر، ومنتزهات عش النورس، وغيرها من المراقص الليلية. وجلبت الراقصات والمغنيات من الخارج، وبرزت مفاسد لم تكن خلال الانتفاضة، واكتشفت سرقات وفضائح على أعلى المستويات، مما جعل سُحب الإحباط تخيم، من جديد، على الحياة الفلسطينية.

أما عن كازينو أريحا، ففي الوقت الذي تحرم فيه إسرائيل إنشاء مثل هذه الأوكار، قررت السلطة الفلسطينية بالتعاون مع شركة كازينوهات الواحة النمساوية إقامة مشروع ضخم في عقبة جبر بأريحا، يعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، حيث يضم ثلاثة فنادق خمسة نجوم تحوي 800 غرفة، وملعب جولف وآخر للتنس ومسابح، وصالات كبيرة للقمار تضم 35 طاولة خضراء، و220 ماكينة نقود، على مساحة تقدر بخمسة كيلومترات. بلغت تكلفة المشروع 150 مليون دولار. يديره رجل الأعمال النمساوي "والنر"، صاحب الشركة النمساوية التي تدير أكثر من 100 كازينو في 20 دولة.

حدث هذا، في الوقت الذي تعقد فيه "حركة إعادة بناء الهيكل اليهودية"، بالتعاون مع عشر منظمات متطرفة، مؤتمرها السنوي في "مباني الأمة" في القدس الغربية. وقد حضر المؤتمر الآلاف من أعضائها ومؤيديها، ودعمته الحكومة الإسرائيلية، وحضره عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست، من أجل الدعوة لهدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل. وختم المؤتمر أعماله بقَسَمٍ أداه أكثر من ألف يهودي، من أعضاء حركة " أمناء جبل الهيكل"، يقضي بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه.

ويتضح مما سبق، أن عملية التسوية السلمية لم تحقق شيئاً من أماني الشعب الفلسطيني، ولم تجلب له الهناء والسعادة كما كان يظن، وإنما على العكس من ذلك تماماً، جلبت له المزيد من العنت والشقاء، في ظل حصار محكم، وحواجز أمنية أكثر تضييقاً وشؤماً.

ب. موافقة عدد من دول العالم العربي والإسلامي، على التطبيع مع اليهود

نجح اليهود في مد الجسور لعدد كبير من الدول العربية والإسلامية، وعقد معاهدات سياسية واقتصادية وسياحية، وافتتاح سفارات ومكاتب تمثيل سياسي وتجاري.

وكان لهذا التطبيع أثره على أرض الواقع، حيث تجلت التبادلات التجارية، والزراعية، والغزو السياحي الصهيوني، وإقامة المصانع الإسرائيلية، وتسويق البضائع، مما أدى إلى ظهور مفاسد كثيرة، وانتشار أمراض سياسية واجتماعية، وتغيرات عامة ملحوظة.

وضعت إسرائيل هدفاً أساسياً لهذا الانفتاح، وهو ترسيخ وجودها وإضفاء الشرعية عليه. كما وضعت أهدافاً مرحلية أخرى، مثل نزع الاعتراف بحق اليهود في فلسطين والقدس، وبسط الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة. فطالبت باعتماد تسمية "الشرق الأوسط"، بدلاً من "العالم العربي"، كما نادت بقبولها عضواً في جامعة الدول العربية، وإفساح المجال أمام اقتصادييها لنقل خبرتهم إلى الدول العربية والإسلامية، وإزالة الحواجز أمام الإسرائيليين ليتحركوا في الدول العربية والإسلامية بحرية تامة، وتحرير الاقتصاد الإسرائيلي من القيود، التي فرضتها طبيعة الصراع، وإلغاء المقاطعة الاقتصادية العربية والإسلامية للبضائع الإسرائيلية، والوصول إلى مراكز النفوذ في المنطقة، والهيمنة على مفاتيح التحكم في المقومات الاقتصادية والمائية والتكنولوجية مستقبلاً، وغير ذلك مما يؤدي في النهاية إلى السيطرة الإسرائيلية المطلقة، على منطقة الشرق الأوسط.

وأدى هذا كله، بشكل غير مباشر، إلى تنامي شرارة الغضب على إسرائيل، وزاد من إصرار الفلسطينيين على الصمود والمواجهة، مما كان له أثر فاعل في إشعال الانتفاضة.

ج. سياسة الزحف الاستيطاني وانعكاساتها

اعتمدت سياسة الزحف الاستيطاني على الظلم والطغيان، واستندت على غطرسة عقائدية، واستعلاء ديني زائف، وزعمٍ بأن الأرض حقٌّ للشعب اليهودي، الذي اجتاح فلسطين بمساعدة بريطانية أمريكية روسية، وسلك نهج مصــادرة الأرض، منذ اليوم الأول، الذي أتيحت له فيه فرصة إقامة كيان مغتصب في فلسطين.

وكانت الرغبة الجامحة في الانتقام من الفلسطينيين، راسخة في أذهان اليهود القادمين من الشتات إلى الأرض المباركة. ومن ثم تنوعت أشكال الاضطهاد، وتواصلت الاعتداءات، ومورست أبشع جرائم الإنسانية بحق الفلسطينيين، واتبعت سياسة تفريغ الأرض من أصحابها، وتهجيرهم إلى بلدان شتى يتجرعون مرارة الشتات وحرقة الضياع. ووقع الشعب الفلسطيني بأكمله، ضحية حرب الاستيطان المحمومة، التي لم تتوقف، بل أتت بالتدريج على معظم الأرض الفلسطينية.

ولعل المشروع الضخم، الذي تبناه "شارون"، عندما تولى وزارة البنية التحتية في عهد "نتانياهو "، وأطلق عليه اسم "مشروع مستوطنات النجوم"، يشير إلى مدى الجشع الصهيوني في الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، حيث وضعت خطة لبناء مستوطنات تتناثر فوق الأرض الفلسطينية، كما تتناثر النجوم في السماء ‍‌‍!!

ونتيجة للانتشار النجومي للمستوطنات السرطانية، احتاج الأمر لإقامة طرق التفافية تصل المستوطنات ببعضها، مما شكل مبرراً آخر لليهود لمصادرة مزيد من الأرض والأملاك، وهدم المنازل غصباً عن أهلها، الذين قاوموا ببسالة، وضحوا وعانوا في صور من الاضطهاد الأليم، وسط صمت عالمي مطبق !!

وكمثال على الزحف الاستيطاني التدريجي لالتهام الأرض الفلسطينية نستعرض الخطوات المدروسة، التي استكمل بها اليهود حصارهم الاستيطاني لمدينة القدس الشريفة خلال الأعوام السابقة:

(1) في بداية عام 1995 أعلنت الحكومة الإسرائيلية خطتها الثلاثية بخصوص الاستيطان، وترمي إلى بناء 15 ألف وحدة سكنية استيطانية، بضواحي القدس.

(2) أجمع اليهود، بكل أحزابهم، على العمل بخطة حكومة حزب العمل، التي تقضي زيادة عدد اليهود حول القدس بنحو (120) ألف مستوطن، خلال المدة 1995 ـ 1998. وقد نفّذ المشروع بكل دقة.

(3) صدرت في مارس 1997م موافقة حكومة حزب الليكود، على البدء في بناء مستوطنة "هارحوما" في جبل أبو غنيم جنوب القدس، لتكمل الطوق الاستيطاني حول القدس من جهة الجنوب، وتفصلها نهائياً عن مدينة بيت لحم.

(4) صدرت موافقة رئيس بلدية القدس في 24 يوليه 1997، على بناء مجمع سكني كبير، داخل حدود القدس العربية القديمة، في حي رأس العمود، بتمويل المليونير الأمريكي اليهودي "إيرفنج مسكوفتش"، الذي موّل شق النفق المشهور تحت أسوار المسجد الأقصى، عام 1996.

(5) وافقت بلدية القدس في يوليه 1997، على 14 مشروعاً استيطانياً جديداً داخل القدس العربية، وهي تنتظر الوقت المناسب للتنفيذ.

(6) كُشف النقاب عن مشروع القدس عام 2000، الذي يهدف إلى رفع عدد سكان القدس من اليهود إلى مليون نسمة.

(7) حاصر اليهود القدس، من الداخل والخارج، بدائرتين من المستوطنات؛ دائرة حول القدس الشّرقية، وأخرى هي سلسلة من المستعمرات تحيط بالقدس من الشمال والجنوب والشرق، وتمتد 11 ميلاً في حدها الأقصى عن وسط المدينة. وتقطع هذه المستوطنات صلة القدس، بالمدن الرئيسية بالضفة الغربية.

وبناء على ذلك، وبعد أن كان الفلسطينيون يشكلون أغلبية السكان عام 1967، أصبحوا عام 1995، وبعد أن كانوا يسيطرون على 100% من الأراضي، أصبحوا بعد عمليات المصادرة، والمشاريع الاستيطانية، وفتح الطرق، والبناء ضمن الأحياء العربية، يسيطرون فقط على 21% من الأراضي. هذا فضلاً عن مشاريع الاستيطان، التي أتت على 70% من الأرض الفلسطينية، حيث أُنشئ في الضفة الغربية أكثر من 147 مستوطنة، تتوزع على كافة المناطق، مثل غوش عتصيون جنوبي بيت لحم، وكريات أربع في مرتفعات الخليل، وإيلون موريه في نابلس، وغيرها.

وفي 16 سبتمبر 1419هـ، أعلن التليفزيون الإسرائيلي أنه يجري بناء مستوطنة كبيرة تضم سبعة آلاف وحدة سكنية قرب رام الله، وقد انتهت أعمال البنية التحتية في هذه المستوطنة، التي أُطلق عليها اسم "تل صهيون"، ووقعت عقود لبيع ألف وحدة سكنية فيها لليهود.

أما في غزة، فقد أقيمت 16 مستوطنة تحيط بالقطاع من كافة الاتجاهات، مثل "غوش قطيف في الجنوب، ونتساريم، وكفار دوروم، وموراغ القريبة من رفح، وغيرها.

وبلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية عام 1997 نحواً من 333 ألف مستوطن، منهم 170 ألف يسكنون المستوطنات المحيطة بالقدس.

أما في عام 2000، عام الانتفاضة، فقد زاد معدل البناء في المستوطنات الإسرائيلية بشكل ملفت للنظر، على الرغم من الاتفاقيات المبرمة مع السلطة الفلسطينية بوقف التوسع الاستيطاني. فقد نشرت صحيفة هآارتس العبرية، الصادرة في 16 يناير 2001، أنه صدر خلال العشرة أشهر الأولى من عام 2000، رخص بناء 1.184 وحدة سكنية جديدة، في المستوطنات، منها 529 رخصة لمنطقة القدس الكبرى. وقد ورد ذلك في التقرير، الذي نشره النائب موسي راز (ميرتس) ويستند فيه إلى معطيات المكتب المركزي للإحصاء ووزارة البناء والإسكان.

وقال النائب راز: إنه صدرت رخص بناء في المستوطنات البعيدة عن الخط الأخضر التي، حسب رأيه، معدة للإخلاء في المستقبل، وعددها 59 وحدة سكنية في مستوطنة كادوميم، و13 وحدة سكنية في طلمون، و18 وحدة سكنية في بسغوت.

وعلى ضوء المعلومات التي نشرها راز، في الـ 11 شهراً الأولى من عام 2000، بدأت وزارة الإسكان ببناء 1.626 وحدة سكنية في المستوطنات (لا تشمل البناء القروي والخاص)، وتمثل حوالي 13 في المائة من البناء في البلاد، مقابل 1.367 وحدة سكنية عام 1999 بكامله.

ويتضح من التقرير، أيضاً، أنه في الأشهر التسعة الأولى من عام 2000، ارتفع عدد سكان المستوطنات بنسبة 7%، ليصل إلى 196.800 نسمة، مقابل ارتفاع نسبته 1.76% في عدد السكان، داخل حدود الدولة. أما الارتفاع الأعلى، فسّجل في المستوطنات الدينية والأصولية وبلغ 18% في مودعين عيليت، و16% في بيتار عيليت، و 12.5% في ألون شافوت.

ومن خلال هذا التقرير نفهم أن عمليات اغتصاب الأرض ظلت مستمرة، وظل الجشع الصهيوني مستمراً في ابتلاع البقية الباقية من الأرض الفلسطينية.