إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)









أمن البحـــر الأحمــر

المبحث الثاني

أهداف انتفاضة الأقصى

تختلف أهداف الانتفاضة تبعاً للفئات المشاركة فيها، وذلك لاختلاف التوجهات السياسية، والنظرة الفكرية للقضية. ففي حين تعمل السلطة على استغلال هذه الانتفاضة للضغط على الطرف الإسرائيلي ليقدم تنازلات في مسألة القدس، واللاجئين والمستوطنات، تعمل حركة فتح على أن تكون الانتفاضة عامل تحريك لا تحرير، يهدف إلى تنشيط العملية السلمية، وبعث الحياة فيها، للوصول إلى اتفاق يجعل إسرائيل تتخلى عن المنطقة التي احتلتها عام 1967 بأكملها للفلسطينيين، بما فيها القدس الشريف. وأما حركة حماس والجهاد الإسلامي والمعارضة الفلسطينية بشكل عام، فترى في الانتفاضة تحقيق أهداف أخرى، تتمثل فيما يأتي:

أولاً: الأهداف الآنية:

1. توحيد الشعب الفلسطيني المسلم تحت راية الجهاد، وخيار المقاومة

ظلت المعارضة تنتظر فرصة لتأجيج مشاعر الغضب، ودفع الشعب للمواجهة. وقد حاولت ذلك في انتفاضة النفق عام 1997م، إلا أن ذلك لم يتم بسبب مساهمة السلطة في منع الناس من الاشتباك مع اليهود، وتشكيل حواجز بشرية من الشرطة منعت وصول الشعب إلى الحواجز الإسرائيلية والمستوطنات، بحجة حماية الشعب من المخاطر المحدقة.

ومما يجدر ذكره في هذا الإطار، أسبقية حماس في إصدار بيان يدعو إلى هذه الانتفاضة قبل وقوعها، وحث الشعب الفلسطيني على مواجهة مخططات الصهاينة في الاعتداء على المسجد الأقصى. فقد أحست الحركة بما سيترتب على زيارة "أرييل شارون" من مخاطر، ومن ثم دعت الجماهير للانتفاضة، والاستعداد لرد العدوان، والتوجه إلى المسجد الأقصى المبارك، لمنع شارون من تحقيق أهدافه.

وقد أصدرت حماس، قبل زيارة شارون بيوم واحد فقط، بياناً حذرت فيه من عواقب هذه الزيارة (اُنظر ملحق بيان حول إعلان الإرهابي شارون اعتزامه التجول في الحرم القدسي الشريف):

وعندما اشتعلت انتفاضة الأقصى المبارك يوم 29 سبتمبر2000 استغلت المعارضة هذه السانحة، وعملت بشكل مدروس على تأجيج الانتفاضة ومواصلتها، فساهمت فيها مساهمة مباشرة بارزة، كما أصدرت بيانات منذ اليوم الأول للانتفاضة. (اُنظر ملحق حماس تدعو للإضراب الشامل والمواجهات الشعبية غداً السبت، والحداد ثلاثة أيام على أرواح الشهداء):

كما استنكرت حركة "فتح" في قطاع غزة المجزرة الإسرائيلية الجديدة في المسجد الأقصى الشريف، وفتح قوات الاحتلال نيرانها على المصلين، وهم سجد وركع.

وأكدت الحركة على وحدة الموقف الفلسطيني وتلاحمه، مشيدة بالرد الجماهيري الفلسطيني السريع والبطولي، على مجازر قوات الاحتلال.

ودعت الأمتين العربية والإسلامية والمجتمع الدولي، لفضح سلوك قوات الاحتلال العدواني المجرم، وفرضه عقوبات على إسرائيل، ووقف عدوانها الغاشم المستمر على شعبنا.

كما حمّل النائب مروان البرغوثي ـ أمين سر اللجنة الحركية العليا في الضفة الغربية ـ مسؤولية الأحداث والصدامات الجارية في مختلف محافظات الوطن، إلى الزيارة الاستفزازية التي قام بها شارون زعيم حزب (الليكود) إلى المسجد الأقصى، وكذلك للتغطية الأمنية والإعلامية لها من الحكومة الإسرائيلية، التي يرأسها أيهود باراك.

وقال في تصريح لـ"وفا": إن المواجهات التي تشهدها محافظات الوطن من الشمال إلى الجنوب، تؤكد تمسك الشعب الفلسطيني بالسيادة الفلسطينية على القدس والأماكن الدينية المسيحية والإسلامية، وهي تؤكد للعالم أجمع أن الشعب الفلسطيني مستعد لتقديم التضحيات الجسام من أجل القدس، ومقدسات العرب والمسلمين.

وأكد أن القيادة الفلسطينية تتابع الأحداث عن كثب، وتجري الاتصالات على مختلف المستويات، لوقف جريمة قتل أبناء شعبنا على أيدي الجنود الإسرائيليين، لتأمين الحماية لشعبنا والقدس والأماكن المقدسة.

كما جاء في تصريح للسيد أحمد يعقوبي، المستشار الإعلامي للأمين العام لجبهة التحرير الفلسطينية "أبو العباس"، أن المجزرة تأكيداً للتكوين الفاشي والإرهابي للهيكلية السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وتجذرها لدى سلطات الاحتلال.

ودعا المجتمع الدولي إلى الخروج من دائرة الابتزاز الإسرائيلي، واتخاذ موقف صريح متجانس مع قرارات الشرعية الدولية، الداعية إلى استقلال الشعوب وإنهاء الاحتلال.

كما دان الاتحاد العام لطلبة فلسطين، جرائم الاحتلال البشعة، وإطلاق النار على جموع المصلين العزل، وذلك بتحريض من الإرهابي شارون ليضيفوا مجزرة جديدة إلى سجلهم الحافل بالقتل والإرهاب بكل أنواعه، ودعا إلى شن حملات إعلامية، وعقد ندوات لفضح جرائم الاحتلال وتعريته.

من جهتها، طالبت الأمانة العامة لـ"اتحاد الشباب العربي" بحملات دولية لفضح وتعرية جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، واستهتار. بالقيم الإنسانية، وقرارات الشرعية الدولية، من أجل اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالردع لهذه الممارسات العدوانية.

ودعت إلى حملات شبابية، عربية وإسلامية ومسيحية عالمية، لمواجهة جرائم الاحتلال، والتأكيد على عروبة القدس عاصمة دولة فلسطين.

وشدد على ضرورة الالتفاف حول القيادة التاريخية برئاسة السيد الرئيس، وأن يكون الشعب على استعداد كامل، لمواجهة أي احتمال.

وناشد الشعوب العربية والإسلامية دعم هبة وصمود الشعب الفلسطيني، في معركة الدفاع عن المقدسات الإسلامية.

كذلك استنكرت نقابة الصحفيين بشدة الجريمة البشعة، التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق المواطنين العزل، في باحات الحرم القدسي الشريف.

كما استنكرت "منظمة أنصار الأسرى" الجريمة البشعة في القدس، مؤكدة أنها سندافع عن القدس والأقصى بالدماء والأرواح.

ودانت جمعية الأسرى والمحررين "حسام" بشدة جرائم الاحتلال ضد شعبنا الأعزل، والمصلين الركع السجود، مؤكدة أن حماة الأقصى لن يسمحوا للمجرمين والإرهابيين بتدنيس الحرم القدسي الشريف.

واستنكر الاتحاد العام للفلاحين، جرائم الاحتلال البشعة ضد أبناء شعبنا الأعزل، وأكد على أن الشعب الفلسطيني قادر على حماية مقدساته الدينية ومن خلفه العالم العربي والإسلامي.

ودان الملتقى الفكري العربي الجريمة البشعة التي نفذتها قوات الاحتلال بدم بارد في القدس وباقي الأراضي الفلسطينية.

ودعا الأمم المتحدة إلى معاقبة إسرائيل وإجبارها على الانسحاب من الأراضي المحتلة.

كما دعا دول العالم إلى اتخاذ إجراءات حازمة تجاه السياسيات الإسرائيلية العنصرية، ودعا أيضاً أصدقاء الشعب الفلسطيني وجماعات السلام في العالم إلى التظاهر والتضامن والعمل من أجل عزل وفضح السياسيات الإسرائيلية.

وطالبت سكرتارية القوى الوطنية والإسلامية في محافظات غزة، مختلف القوى الوطنية والإسلامية والمؤسسات والهيئات الجماهيرية والشعبية إلى الانخراط الفاعل في المواجهات ضد الاعتداء والعدوان الإسرائيلي والدفاع عن حقوق شعبنا كاملة.

ودعت جماهيرنا إلى التوجه إلى مدينة القدس لمساندة أهلنا فيها والتصدي للعدوان الإسرائيلي وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية وكل حقوق شعبنا في المدينة المقدسة، كما دعت الأمتين العربية والإسلامية إلى إعلان التضامن مع شعبنا.

ودعت كذلك المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إلى شجب المجزرة الإسرائيلية والعمل على إلزام إسرائيل بالكف عن قتل شعبنا وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية الداعية إلى حقنا في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

وأكدت "الجبهة العربية الفلسطينية"على أننا على العهد والنضال والتصدي لقوات الاحتلال الإسرائيلي، وعاهدت شهداء شعبنا الذين فجروا نبع شلال الدم المقدسي منذ عدة عقود على المضي قدماً حتى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وفي 28 سبتمبر صدر بيان عن وقد أصدر حزب الشعب بياناً يوم 28 سبتمبر جاء فيه: "ردت جماهيرنا في القدس العربية المحتلة بقوة على زيارة أرييل شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى الشريف، وأكدت بهذا الرد أنها المدافع العنيد والصلب والمدافع عن مقدساتها وعن سيادتها الوطنية على القدس، على الرغم من محاولات الاحتلال الإسرائيلي العقيمة والفاشلة لمصادرة هذه السيادة ".

أما التجمعات والأحزاب الفلسطينية في منطقة 1948 فقد شاركت بفعالية، وأصدرت بيانات تدعو لمواجهة الاحتلال، وتستنكر جرائم سلطات الاحتلال، وهذه مقتطفات منها:

أصدرت "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" بياناً جاء فيه: "إن قوات الاحتلال الإسرائيلي، قامت أمس الجمعة بواحدة من أبشع المجازر ضد شعبنا الفلسطيني، حين فتحت النار والرصاص الحي على جمهور المصلين في ساحة المسجد الأقصى".

وأضافت تقول: " إن جولة شارون الاستفزازية، داخل الحرم القدسي الشريف، أمس الأول كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ إن شارون أراد من هذه الجولة أن يثبت للإسرائيليين وللعالم أن المسجد الأقصى الشريف هو جزء من القدس التي هي عاصمة إسرائيل الأبدية كما يدعون، إلا أن الحقيقة الساطعة هي أنه ثبت للمرة الألف، عكس ما يعتقدون وهو أن السيادة على القدس لن تكون إلا للشعب الفلسطيني وان القدس لن تكون إلا عاصمة للدولة الفلسطينية القائمة حتماً مهما وضعوا من عراقيل".

وحملت الجبهة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية وذكرت انه هو سبب جميع المآسي، وانه ما دام مستمراً فان المجازر ستستمر.

ودعا (التجمع الوطني الديمقراطي) في بيان له، للتحرك فوراً لوضع حد لـ "الجريمة الكبرى". وجاء في بيانه:" تؤكد الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في باحة الأقصى عقم الحديث الإسرائيلي عن السلام، لم تأت هذه المجزرة استمراراً لزيارة شارون بالأمس وحسب بل استمراراً للممارسات القمعية ... لم تبق حرمة ولا قدسية ولم تبق قيمة للإنسانية إلا وانتهكتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، هذه المجزرة تضع قضية الأقصى القدسي والأقصى في إطارها وسياقها التاريخي، وهي كون الأقصى محتلاً وينبغي تحريره من الاحتلال". وانتهى البيان إلى القول: "دماء الشهداء والجرحى في الأقصى تستصرخ كل عربي وكل مسلم وكل ديمقراطي ومحب للسلام للتحرك فوراً لوضع حد للجريمة الكبرى جريمة الاحتلال".

وندد (الحزب الديمقراطي العربي) في بيانه بـ "الجريمة النكراء" التي قامت بها شرطة إسرائيل وحرس حدودها، ضد أبناء شعبنا الفلسطيني في الحرم القدسي الشريف. ورأى الحزب في محاولة شارون وزمرته اقتحام الأقصى تدنيساً له، وإهانة لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية، وتحمل في طياتها محاولة لنسف العملية السياسية التفاوضية في المنطقة.

وطالب الحزب الأمم المتحدة والأسرة الدولية بالوقوف إلى جانب شعبنا الفلسطيني، وإلى شجب سياسة إسرائيل الهمجية ضد أبناء شعبنا، وضمان الوصول إلى حل سلمي يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من القدس العربية، ومن المناطق العربية المحتلة كافة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.

وحملت (جبهة العمل الوطني) برئاسة عضو الكنيست هاشم محاميد، حكومة باراك مسؤولية المجزرة. ورأت في بيانها أن المجزرة في الأقصى، ما هي إلا نتيجة لإشعال فتيل الحقد من قبل شارون، إلا أن المسؤولية تقع على رئيس حكومة إسرائيل أيهود باراك، إذ لولا أوامره ما وقعت المجزرة.

2. كبح جماح عملية التطبيع، مع العالم العربي والإسلامي

شكلت الانتفاضة ضغطاً غير مباشر على الدول العربية والإسلامية، التي عقدت اتفاقيات مع دولة الكيان العبري، وسمحت بفتح السفارات والمكاتب الإسرائيلية في أرضها، ومدت جسور التطبيع مع اليهود. فقد كانت نتيجة الإرهاب الصهيوني، والمجازر الوحشية، سبباً في إحراج هذه الدول، وإعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل.

ولذلك بادرت دول عدة إلى وقف التطبيع، وإغلاق المكاتب الإسرائيلية، مثل تونس والمغرب وعُمان، في حين استجابت قطر للنصائح العربية بإغلاق المكتب الإسرائيلي، بعد اشتراط السعودية وسورية وإيران ذلك، واعتباره أمراً لا بد من تنفيذه لحضور مؤتمر القمة الإسلامي المنعقد في الدوحة.

وفي خطوة أخرى في هذا المجال، أعلنت مصر عن سحب سفيرها من "تل أبيب"، كما جمدت الأردن إرسال سفيرها إلى إسرائيل.

وعلى كلٍ فإن هذا الهدف حقق قدراً من النجاح، وعمل على وقف سياسة التطبيع، وإلغاء مظاهره، ولو إلى حين.

3. ردع قوات الاحتلال عن ممارسة الجرائم الإنسانية

تطور العمل المسلح خلال انتفاضة الأقصى بسرعة كبيرة، حيث شارك في القتال عدد كبير من أفراد الشرطة الفلسطينية المسلحين. ووقعت مواجهات مسلحة في مختلف مناطق فلسطين المحتلة، وأدى ذلك إلى إصابات مباشرة في القوات الإسرائيلية، مما جعل الحكومة الإسرائيلية تأمر بشن هجوم جوي وبحري وبري، بالطائرات والبوارج الحربية والدبابات، على مناطق السلطة الفلسطينية، وقصفها بعنف. فزاد ذلك الفعل من حدة الانتفاضة، وجعل الفلسطينيين يلجأون إلى عمليات التفجير الاستشهادية، وتطويرها، وعمليات الخطف والقتل، كرد على الجرائم والممارسات الصهيونية الوحشية.

ومن الأمثلة على تصاعد العمل المسلح وتطوره، تلك العمليات النوعية التي نُفّذت في عدد من المواقع الإسرائيلية، كعملية التفجير في الخضيرة، التي هزت المجتمع الإسرائيلي، ووقعت بعد إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية "إيهود باراك"، أنه سيأمر باقتحام مناطق السلطة، وتنفيذ مجازر بحق الفلسطينيين، مما جعله يحجم عن تنفيذ تهديده، ويتراجع عن مخططه.

وقد كان في تنفيذ العمليات العسكرية، والهجوم على المستوطنين، كبح لجماح الإسرائيليين، عن ارتكاب كثير من الجرائم والمجازر الوحشية. كما شكلت هذه العمليات عاملاً موازناً للمواجهة، حيث رفعت من معنويات الفلسطينيين، وحطت من معنويات الإسرائيليين، وحولت أمنهم إلى خوف وهلع ورعب.

4. زعزعة الأمن والاستقرار، لدى الإسرائيليين

عمل الفلسطينيون على زعزعة الأمن الإسرائيلي، وإشاعة جو من الرعب والهلع، بغية دفع أكبر عدد من الإسرائيليين نحو الهجرة المعاكسة، وإيقاف الهجرة الأوروبية والروسية إلى إسرائيل، وتفريغ المستوطنات في الضفة الغربية وغزة.

شكلت الانتفاضة عاملاً من عوامل زعزعة الأمن في المجتمع الإسرائيلي، خاصة بعد تطورها وظهور العمل المسلح فأدت إلى شعور الإسرائيليين بالخطر، مما زاد من نسبة الذين هاجروا إلى الخارج، طلباً للنجاة والاستقرار. فقد كشف "يعكوف بيري"، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلية، عن أن أعداداً كبيرة من الإسرائيليين تتكالب على السفر إلى خارج إسرائيل، بسبب الانتفاضة والتفجيرات، التي بدأت تقع في المدن الإسرائيلية.

وقال: إن "الإسلام الأصولي" قد أعلن الحرب بشكل لم يسبق له مثيل على إسرائيل، محذراً من مغبة الآثار الكبيرة لانتفاضة الأقصى، على الأوضاع الأمنية داخل إسرائيل. وأشار إلى أنه قلق جداً من توجه الكثير من الإسرائيليين، إلى مغادرة إسرائيل في الشهر الحالي. وأن: "هناك ما يدعو للقلق حقاً، فتدهور الأوضاع الأمنية أدى إلى إلحاق ضربة كبيرة بالمعنويات الإسرائيلية…".

وقال في تصريح آخر في 23 نوفمبر 2000: إن ظاهرة توجه الإسرائيليين للخارج تدعو للقلق، وإن روح الصهيونية تتعرض للحظات اختبار قاسية ومؤلمة جداً. وقال مستغرباً: "إن عدد الفلسطينيين الذين سقطوا في الانتفاضة حتى الآن، هو أضعاف عدد اليهود، ومع ذلك فإن أحداً من الفلسطينيين لم يبد رغبة في مغادرة بلاده، فكيف بهؤلاء الانهزاميين (يقصد اليهود) يهربون على هذا النحو"؟!.

وقد شهدت مستوطنات الضفة وغزة هجرة آلاف المستوطنين، نحو عمق الكيان الإسرائيلي، خوفاً من التعرض لعمليات اغتيال أو خطف، من قبل الفلسطينيين.

أما عن الحالة الأمنية، فقد أدت العمليات المسلحة المتواصلة إلى بلبلة الوضع الأمني، وشعور المستوطنين والجنود بفقدان الأمن والاستقرار، خاصة بعد تنفيذ عمليات عسكرية، في قلب تل أبيب ونتانيا والقدس. فقد نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية، عن مصدر أمني إسرائيلي كبير قوله: إن معظم الإسرائيليين يعيشون حياة رعب حقيقية، في ظل تعاظم عمليات إطلاق النار، والتفجيرات التي هزت إسرائيل مؤخراً؛ وأدت إلى تقلص الشعور بالأمن الشخصي لمعظم الإسرائيليين.

ومن جهتها، أفاضت قنوات التليفزيون الإسرائيلية الرئيسية، في الإشارة إلى تجنب معظم الإسرائيليين عبور سياراتهم الطرق الرئيسية المؤدية للقدس، والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. وحسب تقرير مُفصَّل، بثته القناة الأولى للتليفزيون الإسرائيلي، تبين أنه في الساعة الخامسة مساءً تتوقف الحركة تماماً في الشوارع الرئيسية المؤدية للقدس، لأن الإسرائيليين يخشون أن يتعرضوا للكمائن المسلحة، أثناء سيرهم في هذه الشوارع.

واللافت للنظر أن هذه الشوارع، تخدم عشرات الآلاف من الإسرائيليين، يقول "شمعون طبرا" أحد سكان مدينة مودعين الواقعة إلى الغرب من القدس: إنه أصبح مضطرّاً لإغلاق حانوته في القدس في الساعة الرابعة؛ لكي يستطيع العودة إلى داره قبل حلول الظلام.

وانتقد "طبرا"، في حديث مع التليفزيون الإسرائيلي، جيش باراك ـ كما أسماه ـ الذي فشل في توفير الأمن للإسرائيليين في الشوارع الرئيسية للمدينة، وتساءل "طبرا": هل يوجد جيش وحكومة في العالم، لا يستطيعان توفير الأمن لسكان عاصمة دولتها؟!".

أما "أمونا هليل"، التي تسكن قرية "رئوت"، ويسكنها ـ عادة ـ كبار قادة الجيش الإسرائيلي، فقد قالت: إنها تراجعت عن حضور الفيلم، الذي تعكف على مشاهدته في مدينة اللد مساء عطلة نهاية الأسبوع؛ حيث إنها تخاف أن تتعرض لإطلاق نار.

وتعتقد هليل أن جميع الرجال في قريتها من كبار الضباط في الجيش، فإن قريتها تصبح هدفاً لرجال المقاومة الفلسطينيين.

أما "بنحاس مايا"، أحد تجار تل أبيب، هو يسير على الشارع المؤدي للقدس بشكل يومي، فقد قال للتليفزيون الإسرائيلي: " الحياة أغلى من أي شيء آخر، لا أريد أن أموت، سأحاول أن أنقل أعمالي إلى مدينة أخرى غير القدس".

والأمر الذي أثار استغراب المراقبين، هو قدرة المقاومين الفلسطينيين على القيام بعمليات في الضفة الغربية، وداخل إسرائيل؛ على الرغم من الحصار المفروض على مناطق الضفة الغربية، وقطاع غزة، والفصل التام مع إسرائيل.

هذه الحالة دفعت عدداً من الجنود الإسرائيليين إلى الانتحار، ودفعت عدداً آخر إلى رفض الخدمة العسكرية في الضفة وغزة، مؤثراً السجن والغرامة والنقل من وحدته، على تحمل مخاطر العمل في هاتين المنطقتين السّاخنتين.

ثانياً: الأهداف المرحلية

1. ثني اليهود عن مبدأ التمسك بالقدس، واعتبارها العاصمة الموحدة لدولتهم العبرية

من أهم أهداف الانتفاضة، التي سميت باسم "الأقصى"، ثني اليهود عن التفكير في هدم المسجد وإقامة الهيكل مكانه، لأن اليهود يحسبون كل حساب لردات الفعل العنيفة ضدهم. ولذلك عمدوا إلى جس نبض الشارع الفلسطيني والشارع الإسلامي، بالقيام باعتداءات متكررة على المسجد الأقصى المبارك، وفي خطوات مدروسة للوصول إلى مرحلة البناء والهدم.

ولمّا كان من أهداف زيارة "شارون"، التمهيد لوضع حجر الأساس للهيكل بالقرب من الصخرة، جاء رد الفعل متناسباً مع هذه الخطوة الخطيرة، وتحركت كافة الحركات والفئات والتجمعات الشعبية، للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك.

ومن خلال النظر إلى تطورات الأحداث، ونتائج المفاوضات، التي صاحبت الانتفاضة في بداياتها، نجد أن هذا الهدف قد تحقق إلى حد كبير، خاصة بعد إعلان باراك استعداده للتخلي عن القدس الشرقية، مقابل التخلي عن ملف اللاجئين. ثم جاءت محادثات قاعدة بولينج بواشنطن، للتوصل إلى حل للقدس، وخرجت بمقترحات كلينتون، التي كان من بينها: التخلي عن الإدارة الدينية للمقدسات الإسلامية للسلطة الفلسطينية.

أما عن انتهاكات المتطرفين اليهود، فقد عملت الشرطة الإسرائيلية على منعهم من ارتكاب حماقات، تجر الدولة العبرية إلى حرب تؤدي إلى زوالها. لذلك منعت السلطات الإسرائيلية اليهود المتطرفين، من الوصول إلى المسجد الأقصى في يوم عيد المظلة بعد اشتعال الانتفاضة بأيام. كما حذّر رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية الداخلي "شين بيت"، من أن جماعات من اليهود المتطرفين تخطط لنسف الحرم القدسي؛ وهو ما سيتسبب في توجه جميع المسلمين إلى القدس للقتال.

فقد نقلت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية في 31 ديسمبر 2000، عن "إبراهام ديشتن"، رئيس "الشين بيت"، أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي بدأ عملية سرية، تهدف إلى اختراق صفوف جماعات من المتطرفين اليهود، الذين يخططون لنسف الأقصى، محذراً من أنه إذا تم تنفيذ أي هجوم ضد الأقصى، فليرحمنا الله جميعاً؛ إذ إن ملايين المسلمين من إندونيسيا إلى إيران، سيتوجهون للقدس للقتال، ولن يستطيع أحد منعهم، وأشار " ديشتن" إلى أن المتطرفين اليهود يحاولون عرقلة جهود السلام، التي يبذلها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون.

وكانت مصادر أمنية إسرائيلية قد ذكرت، أن العديد من الجماعات اليهودية المتطرفة يمارسون بعض الطقوس والشعائر الخاصة، من أجل ما أسموه "إعادة تأسيس هيكلهم"، وأن حوالي ألف متطرف يهودي يحاولون بشتى الطرق، تقويض مجهودات السلام.

2. إجبار اليهود على إزالة المستوطنات في الضفة وغزة

نظراً لما تشكله المستوطنات من خطورة على المجتمع الفلسطيني، ولما لها من آثار سلبية على الحياة العامة، تجعل المستوطنين مصدر قلق لكثرة اعتداءاتهم، وقيامهم بتوسيع المستوطنات على حساب الفلسطينيين، فإن إزالة هذه المشكلة، أو تقليصها على الأقل، كان أحد أهم أهداف الانتفاضة، وقد لوحظ كثرة عدد المستوطنات، التي غدت بعد الانتفاضة مساكن إسمنتية مهجورة. ولعل الحصار الذي يشعر به المستوطنون جراء الانتفاضة الفلسطينية، دفع الكثير منهم إلى المغادرة. فمستوطنة نتساريم ـ مثلاً ـ على أطراف غزة، كانت من أوائل المستوطنات التي شعرت بهذا الحصار، ونتيجة لذلك صارت وسيلة المواصلات الوحيدة لسكانها هي الطائرات. ولمّا لم تكن الطائرات متوفرة بشكل دائم، فإن المستوطنين هجروا المستوطنة، ولم يبق فيها سوى عدد من الجنود لحراستها، في جو من الخوف والقلق.

وفي الإطار نفسه، أكدت تقارير صحفية صهيونية أن أعداداً متزايدة من المستوطنين اليهود، القاطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، باتوا يعبّرون صراحة عن رغبتهم في الرحيل عن مستوطناتهم، في ضوء انتفاضة الفلسطينيين المتصاعدة، ضد الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي.

وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في تقرير نشرته في بداية الانتفاضة، أن قسماً كبيراً من سكان ما يسمى "المستوطنات العلمانية" في الضفة الغربية، لاسيما المستوطنات الواقعة شمالي الضفة على مقربة من تجمعات فلسطينية، صرحوا مؤخرا بأنهم يريدون مغادرة مستوطناتهم، إذ لا يجدون مبرراً، أو جدوى، لتعريض حياتهم وحياة عائلاتهم للخطر، في سبيل البقاء فيها، خاصة وأن مصير هذه المستوطنات ومستقبلها مهدد وغير مضمون، في نطاق أي تسوية دائمة يتم التوصل إليها، بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ونقلت الصحيفة عن أحد سكان مستوطنة "مغداليم"، الواقعة شرق نابلس، تأكيده أن سكان المستوطنة، وهي واحدة من عدة مستوطنات علمانية في المنطقة، يفكرون في المغادرة والرحيل، ويشعرون باليأس والإحباط، مضيفاً قوله: "جميع المستوطنات هنا سيتم إخلاؤها في نهاية المطاف، وهذه مسألة وقت فقط. وإذا كنا سنرحل عنها في كل الأحوال، فماذا لدينا لنفعله هنا الآن؟ لا يوجد مبرر يدفعنا للبقاء، مثل البط تحت النار الفلسطينية".

وتقول الصحيفة: إن مستوطنة "مغداليم"، الواقعة في قلب شمال الضفة الغربية، تحولت منذ اندلاع "انتفاضة الأقصى" إلى منطقة مهددة بحكم موقعها في مفترق إستراتيجي (شرق نابلس)، ووقوع عدد من الهجمات الفلسطينية المسلحة على سيارات للجيش الإسرائيلي والمستوطنين اليهود، المارة على الطريق المحاذي لها، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الإسرائيليين.

وتضيف: أن هذا يشكل للمستوطنين العلمانيين في "مغداليم"، الذين جاءوا بحثاً عن سكن رخيص، ونوع من حياة أفضل بعض الشيء، لحظة التراجع وإعادة الحساب. فهم لم يأتوا بحثاً عن حياة محفوفة بالنيران والمخاطر. لذلك تؤكد الصحيفة أن قسماً من سكان المستوطنة، يطالبون الآن صراحة بان تجد الدولة لهم حلاً في سكن بديل. فمن ناحيتهم، أضحت الحياة في المستوطنة غير محتملة.

ويعبر رئيس لجنة سكان المستوطنة، موشيه كوهين، عن الشعور القاسي الذي يعتري سكان مغداليم ويقول: "لم نأت إلى هنا لنموت على مذبح قداسة البلاد. دافعنا لم يكن أيديولوجيا ولا غيره.. بحثنا فقط عن سقف يؤوينا، فوجدنا أنفسنا في حصار". ويضيف كوهين "قبل شهرين شعرنا هنا تماماً كما لو كنا نسكن في "رمان أبيب.ج" (تعد من أرقى ضواحي تل أبيب)، اليوم نحن نشعر كما لو كنا في لبنان.. نقوم بفتح الطرق المغلقة.. نحرس بأنفسنا الشوارع، ونتجول مع سلاح مهيأ".

وتقول صحيفة "يديعوت" إن مستوطنة مغداليم ليست الوحيدة، التي يتحدث أهلها عن الرحيل والجلاء، بل هناك عدد من المستوطنات الأخرى في المنطقة الواقعة شمال الضفة الغربية، مثل "غانيم" و"كاريم" و"معاليه أفرايم" و"حرميش"، وينتمي معظم المستوطنين فيها إلى التيار العلماني، وأعلن جزء كبير من سكانها، منذ فترة من الوقت، عن رغبتهم صراحة في مغادرتها، مقابل الحصول على تعويضات مالية أو سكن بديل داخل فلسطين 48. وكان ضباط إسرائيليون كبار قد اعترفوا، بأنه في ضوء تصاعد عمليات إطلاق النار على طرق المواصلات في الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يعد الجيش الإسرائيلي قادراً على أن يضمن للمستوطنين الحماية، التي تمكنهم من مواصلة العيش في مستوطناتهم، بصورة طبيعية.

وفي هذا الإطار أدت العمليات التي نفذتها المقاومة في 13 نوفمبر2000، ضد الجنود والمستوطنين اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين ومستوطنين ـ فيما وصف بأنه الإثنين الدامي ـ إلى حالة هلع كبير بين المستوطنين اليهود في الضفة الغربية. فقد أعلن موسى راز ـ سكرتير حركة "السلام الآن" ـ الإسرائيلية، صباح الثلاثاء 14 نوفمبر 2000 أنه تلقى طلبات من عدد من المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، تعرض عليه إمكانية ترك المستوطنات والعودة للعيش داخل الخط الأخضر، وعلى الأخص في منطقة تل أبيب. وقال راز في حديث مع الإذاعة الإسرائيلية: إن المستوطنين، الذين توجهوا إليه، أكدوا له أنهم لم يعودوا يشعرون بالأمن داخل الضفة الغربية، وأن حياتهم تحولت إلى جحيم لا يطاق. وقال راز: "إنه يتوقع أن يزداد عدد المستوطنين، الذين يتوجهون إليه بالطلب لترتيب عملية انتقالهم إلى داخل الخط الأخضر".

3. إطلاق المعتقلين من السّجون الإسرائيلية

كان من أسباب اشتعال الانتفاضة، مماطلة الإسرائيليين في الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ومن ثم كان من أهدافها العمل على إطلاق هؤلاء المعتقلين. ونتيجة للتنسيق الأمني بين الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية، اعتقلت شرطة السلطة عدداً من المطاردين، وأودعتهم السجون. ولكن خلال الانتفاضة ما ترتب عليها من اعتداء إسرائيلي، شمل جميع الفئات الفلسطينية بما فيها كوادر السلطة ومراكزها، وكردة فعل ضد الموقف العسكري الإسرائيلي، أفرجت السلطة عن معظم المعتقلين لديها، ممن وضعتهم القوات الإسرائيلية على قائمة المطلوبين.

وعلى الرغم من اعتقال القوات الإسرائيلية أكثر من سبعمائة فلسطيني، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الانتفاضة، مضى الفلسطينيون في انتفاضتهم لتحقيق أهدافها، التي منها الإفراج عن جميع المعتقلين.

كما أن حزب الله أسر ضابطاً وثلاثة جنود إسرائيليين، واشترط لإطلاق سراحهم إطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، وهو يصر على هذا المطلب كشرط للإفراج عن المعتقلين، ويعد هذه البادرة هدية لشعب الانتفاضة.

4. إحراج السلطة، وإرغامها على التنصل من الاتفاقيات الأمنية مع العدو

تحولت الانتفاضة إلى مواجهات شاملة، تضمنها عمل مسلح كثيف، مما أصاب الحكومة الإسرائيلية بحالة من الهستيريا دفعتها للهجوم على مناطق السلطة وقصفها بعنف، دون تمييز بين مراكز الشرطة ومنازل الشعب، مما أرغم قوات الشرطة الفلسطينية على المشاركة في المعركة بالسلاح.

هذا التحول لفت أنظار قادة الانتفاضة، إلى إمكانية استغلالها في تعطيل وإفشال الاتفاقيات الأمنية، بين طرفي التفاوض في عملية السلام. لذلك صار المنتفضون يلجأون إلى تنفيذ بعض العمليات المسلحة، كلمّا تم اجتماع بين السلطة والإسرائيليين من أجل التنسيق الأمني، مما يؤدي إلى فشل الاتفاقيات، ويعيد الصراع إلى ما كان عليه.

وبسبب ذلك فشل الإسرائيليون في إخماد الانتفاضة بعد مؤتمر شرم الشيخ، وفشلوا أيضاً بعد لقاء بيريز ـ عرفات، وفشلوا بعد مؤتمر استوكهولم، ومؤتمر قاعدة بولينج بواشنطن، كل ذلك نتيجة لشن مسلحين عمليات جريئة تعيد المفاوضات إلى التوتر من جديد.

وهذه العمليات التي تخللت الانتفاضة أحرجت السلطة التي وجدت نفسها بين نارين: فهي إما أن ترضي شعبها، وبذلك تخسر الإسرائيليين وتعرض ما بنته خلال عملية السلام إلى الانهيار، وإما أن تكسب الإسرائيليين وتخسر شعبها، فتتعرض حياة زعمائها للخط!

ومن هنا فضّلت السلطة الفلسطينية التنصل من تطبيق الاتفاقات الأمنية، والتهرب من الضغوط الإسرائيلية بأي شكل، اعتقاداً بأن هذا السبيل هو الأسلم.

ثالثاً: الأهداف البعيدة

1. إعادة القضية إلى إطارها الإسلامي

من أهم ما يخدم القضية الفلسطينية، عودتها إلى إطارها الإسلامي، وإخراجها من نطاقها الإقليمي الضيق، إلى النطاق الإسلامي العالمي، وهذا ما يخشاه الإسرائيليون، الذين يحرصون أن تبقى في إطارها الفلسطيني، لينحصر صراعهم مع قلة ضعيفة من الناس.

ولمّا كانت الانتفاضة ذات صبغة إسلامية، وشعارات دينية، وتوجهات عقائدية، فإن العالم الإسلامي تعاطف معها، وتجاوب بشكل ملحوظ، حيث لقيت انتفاضة الأقصى تأييداً منقطع النظير لم تشهده فلسطين من قبل، بهذا الزخم من قبل الشعوب العربية والإسلامية، وهذا ما لم يكن في حسبان اليهود الذين هزهم هذا التأييد وأرق مضاجعهم فانعكس ذلك على تصريحاتهم ومواقفهم السياسية.

فقد أبدى عدد من كبار المثقفين الإسرائيليين استغرابهم، من مظاهر التأييد والتضامن العارمة، التي عبّرت عنها الجماهير العربية والإسلامية مع الشعب الفلسطيني، إلى جانب الحساسية الكبيرة التي يبديها العرب والمسلمون إزاء أي ممارسة إسرائيلية تتعلق بالقدس والمسجد الأقصى. فخلال برنامج أذيع الجمعة (13 أكتوبر 2000) في راديو "صوت إسرائيل"، خُصص لمناقشة ردة فعل الجماهير العربية والإسلامية على أحداث انتفاضة الأقصى، وشارك فيه عدد من كبار المفكرين والمثقفين الإسرائيليين، قال المفكر الإسرائيلي ميرون بنفنستي: "إن أخطر ما ميز ردة الفعل العربية والإسلامية، إزاء ما يحدث، أنه يكشف إلى أي حد حجم المعارضة داخل العالم العربي والإسلامي لقبول الأفكار الإسرائيلية والأمريكية، بشأن حل قضية القدس". وأضاف بنفنستي، الذي كان نائباً لرئيس بلدية القدس: "إن على باراك أن يتخلص من الوهم القائل: إنه بالإمكان تحقيق السلام، مع احتفاظ إسرائيل بالسيادة الإسرائيلية على القدس والمسجد الأقصى"، وقال: "هذا لن يحدث؛ لأن الجماهير العربية والإسلامية لن تدع هذا يمر".

أما الشاعر والمفكر حاييم غوري، الذي يحرص باراك على مجالسته أسبوعيّاً ويتباهى بحفظ عشرات القصائد من شعره عن ظهر قلب، فقال: ما حدث يظهر الخطأ في الاعتقاد بأنه يمكن أن يتم التوصل لسلام شامل مع العالم العربي. ويضيف غوري: "عندما نظرت في شاشة التلفاز، ورأيت أن أكثر من مليون متظاهر في المغرب خرجوا للتعبير عن معاداتهم لنا، عرفت سريعاً أن سلاماً لن يتحقق، فالمغرب الذي قلنا دوماً: إنه أكثر البلدان العربية المرشحة لتطبيع علاقاته معنا، تخرج منه كل هذه الجماهير لتهتف ضدنا!".

ويكمن الخطر الحقيقي في هذا التأييد العارم، في أنه صدر نصرة للأقصى، وعملاً تمهيدياً لتحريره من أيدي اليهود، وهذا يعني عودة القضية إلى إطارها الإسلامي بعد كل الجهود الجبارة، التي بذلها اليهود لسلخ القضية عن إسلاميتها.

ولم يقتصر الأمر على التظاهر فقط، والدعوة إلى نصرة الشعب الفلسطيني على المنابر الخطابية فحسب، بل تعداه ليتخذ خطوات فعلية، تمثلت في الدعم المادي الكبير، واستقبال الجرحى ومعالجتهم، وإرسال الوفود للاطلاع عن كثب على ما يحدث في الداخل، من مواجهات واشتباكات عدة على الحدود اللبنانية والأردنية، وعمليات إطلاق نار على بعض الديبلوماسيين الإسرائيليين في الدول العربية، ومحاولات للتسلل عبر الحدود في الأردن ومصر وسورية ولبنان.. وغير ذلك.

وتهدف الانتفاضة إلى التأثير ـ مستقبلاً ـ على الدول العربية والإسلامية، وتحريكها لنصرة القضية مادياً ومعنوياً، على نحو يستطيع معه الشعب الفلسطيني مواجهة اليهود، وتحرير الأرض منهم.

2. إفشال عملية السّلام الفلسطينية الإسرائيلية

نظراً لما خلّفته عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية من إحباطات وخيبة أمل، ونتائج لم يرض عنها الشعب الفلسطيني، بل رأى فيها حلقة من حلقات المخطط الإسرائيلي لترسيخ كيانه، والهيمنة على مدينة القدس، وبناء الهيكل مكان الأقصى، وفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة العربية، اشتعلت انتفاضة الأقصى لتقطع الطريق على الإسرائيليين، وتمنع الاستمرار في تنفيذ هذه المخططات، وتفشل المساعي الرامية لتحويل المسجد الأقصى إلى الهيكل المزعوم، ومن ثم تفشل عملية السلام وتلغيها برمتها.

شعر الإسرائيليون بذلك، فلجأوا إلى الولايات المتحدة، التي كانت تعيش الأيام الأخيرة لرئاسة "بيل كلنتون"، كما كانت تشهد عملية انتخابات مثيرة للجدل، حيث دب الخلاف بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول مَنْ الفائز "بوش الابن" أم "آل جور"؟!

وفي هذه المرحلة الحرجة بذل "بيل كلنتون " جهوداً مستميتة، لجمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في واشنطن، للتوصل إلى حل نهائي، والتوقيع على اتفاقية تعالج مسألة القدس واللاجئين، وتنهي الانتفاضة وتخمد نارها، ولكن محاولاته باءت بالفشل، واستمرت الانتفاضة.

وظلت عملية السلام تشهد تراجعاً حاداً، وتدهوراً ملحوظاً مع استمرار الانتفاضة، ودخولها مرحلة الصراع المسلح المكشوف.

3. تحرير كل الأرض الفلسطينية

من الأهداف التي يمكن استخلاصها من أحداث الانتفاضة وفعالياتها، أنها قد تكون خطوة على تحرير كامل فلسطين، وهو هدف ربما لا يتحقق إلا بعد زمن طويل، ولكنه يبدأ بخطوة إلى الأمام. لذلك شعر اليهود بهذا الأمر، وأحسوا بخطورة تطورات الانتفاضة، فعملوا وما زالوا على إخمادها وعدم السماح لها أن تأخذ مجراها المرسوم، خوفاً من أن تؤدي إلى إشعال حرب تحرك العرب والمسلمين في المنطقة، مما يؤدي في النهاية إلى زوال دولة "إسرائيل".

لذلك كان هذا الهدف من الأهداف بعيدة المدى، التي يمكن للانتفاضة أن تضع حجر الأساس لتحقيقه مستقبلاً.