إرشادات مقترحات البحث معلومات خط الزمن الفهارس الخرائط الصور الوثائق الأقسام

مقاتل من الصحراء
Home Page / الأقســام / موضوعات سياسية عسكرية / الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)









أمن البحـــر الأحمــر

المبحث الخامس

مميزات وآثار الانتفاضة

أولاًُ: مميزات انتفاضة الأقصى

تُعد انتفاضة الأقصى امتداداً للانتفاضة الكبرى لعام 1998، التي استعادت كرامة الفلسطينيين بما خلفته من صور للفداء والتضحية، وضعت النموذج والقدوة للأجيال التالية.

كما تعد هذه المرحلة من الصراع، مهمة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لأنها أثرت تأثيراً كبيراً على مجريات الأحداث، واتخاذ القرارات، وما يتعلق بذلك من مواقف دولية وإسلامية وعربية. ونظراً لضخامتها وزخم أحداثها وفعالياتها، برزت لها مميزات خاصة، ونجملها في الآتي:

1. اشتعالها بسبب القدس، التي تعد بؤرة الصراع الأساسية في المنطقة، ومسألتها من أعقد المسائل، التي لم يستطع المتفاوضون التوصل إلى حل ينهي الصراع عليها، نتيجة لأهميتها الدينية والتاريخية للطرفين.

2. تسميتها "انتفاضة الأقصى"، لأنها جاءت نصرة للمسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى النبي، محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك كانت الانتفاضة، ومنذ يومها الأول، ذات صبغة دينية مقدسة.

ويطلق عليها "انتفاضة الأقصى"، لتُربط المواجهات بأهم ما يستشهد الفلسطينيون من أجله ولتوضح أنها انتفاضة شعبية، وليست أعمال عنف منظمة من قبل السلطة الفلسطينية، كما تحاول إسرائيل أن تبرزها.

3. مشاركة جميع الفلسطينيين، بما في ذلك أهالي منطقة 1948 الذين هبوا بصورة عارمة لنصرة الأقصى، وضحوا بعدد كبير من القتلى والجرحى، وكان لهم أثر ضاغط على الكيان الإسرائيلي، في الحد من ارتكاب المجازر، وتنفيذ التهديد بالهجمات المسلحة العنيفة لاقتحام مناطق السلطة، حيث شعر الإسرائيليون أنهم لو اقتحموا مناطق السلطة، فإن ذلك لن ينهي الانتفاضة لأنها امتدت إلى عقر منطقة 1948.

4. ظهور العمل المسلح الكثيف في وقت مبكر، منذ الأيام الأولى، وذلك لاشتراك عدد من أفراد الشرطة الفلسطينية في التصدي للجنود الإسرائيليين، ومشاركة مسلحي "فتح" في المواجهات الدامية، وعودة "كتائب القسام" لتنفيذ عملياتها المميزة.

5. تحريك العالم العربي والإسلامي على نحوٍ لم تستطع الانتفاضة السابقة فعله، حيث تعاطفت الدول والحكومات والشعوب العربية والإسلامية، مع هذه الانتفاضة بشكل جيد، وجُمعت التبرعات والمساعدات المادية والعينية، وفتحت المستشفيات لاستقبال الجرحى، وأرسلت وفود من السعودية والإمارات والأردن ومصر لاستطلاع الوضع، والوقوف على آخر التطورات، ومعرفة سُبل توصيل المساعدات وتوزيعها، مما ترك أثراً طيباً في نفوس الفلسطينيين، الذين شعروا ببعض الاهتمام من قبل أشقائهم العرب والمسلمين.

6. لفت أنظار العالم على الممارسات الإسرائيلية، ضد الشعب الفلسطيني. فقد نقلت وسائل الإعلام المختلفة صوراً لجرائم بشعة، وممارسات عنيفة لجيش الاحتلال، أذهلت بعض الحكومات والشعوب في العالم الغربي، وجعلت الكثيرين يستنكرون هذه الجرائم. وكان من آثار ذلك رفض دولتي فرنسا والصين، تصدير أسلحة للكيان الإسرائيلي، خوفاً من استخدامها في قمع الشعب الفلسطيني.

7. تحرك المسلمين في العالم الغربي، بإقامة المهرجانات والتظاهرات والندوات، للتعريف بما يجري، والاعتراض على سياسات الدول الغربية تجاه فلسطين، والضغط من أجل اتخاذ مواقف إيجابية لنصرة الشعب الفلسطيني، واستنكار ما يفعله الإسرائيليون.

8. ظهور ما يُسمى بحرب "الإنترنت" التي شهدت عمليات اختراق للمواقع الصهيونية الحكومية، وتخريبها مراراً وتكرارً، وفشل الإسرائيليين في شن هجوم مضاد، بالقدر نفسه الذي تعرضت له مواقعهم، على الشبكة الدولية للمعلومات.

9. أدت انتفاضة الأقصى إلى عقد مؤتمرين مُهمين للقمة العربية والإسلامية، اجتمع خلالهما عدد كبير لم يجتمع منذ مدة طويلة، وكانت وجهات النظر متقاربة، وتلاشت كثير من الخلافات في ظل جو من الوئام والوحدة.

10. أحيت هذه الانتفاضة مصطلح الجهاد، وحركت الأمة وبعثت فيها روح الجهاد من جديد، وذكرت بواجب النصرة لتحرير المسجد الأقصى المبارك.

هذه بعض أهم مميزات انتفاضة الأقصى المبارك، التي لا تزال تفرز مميزات أخرى يصعب تتبعها بسبب استمرارية الانتفاضة، ومواصلة وقائعها وأحداثها.

ثانياً: آثار وثمار انتفاضة الأقصى

منذ اليوم الأول لانتفاضة الأقصى المبارك، وآثارها تتوالى وتتواصل وتمتد، لتشمل وتغطي مستويات مختلفة، داخلية وخارجية.

وأخذت انتفاضة الأقصى تتمخض كل يوم، عن آثار وثمار، انعكست على واقع الشعب الفلسطيني في ممارساته وحياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما انعكست على أداء الحكومة الإسرائيلية، وحياة المجتمع الإسرائيلي بكافة أشكالها. ولم تقتصر على ذلك بل تجاوزت الحدود لتؤثر في العالمين العربي والإسلامي، ولتترك بصماتها على القرارات السياسية الدولية، والعلاقات والتبادلات التجارية.

ربما يصعب حصر آثار الانتفاضة وثمارها كلها، وذلك بسبب استمرارها وعدم توقفها، ولأن الآثار ما زالت تتبلور وتتضح، أكثر فأكثر كل يوم.

ولكن نستطيع أن نلخص أهم وأبرز الآثار والثمار، التي أفرزتها انتفاضة الأقصى خلال الأشهر الأربعة الأولى من تاريخها، وسنترك الآثار السلبية لمحدوديتها، ولأنها تقتصر على مزيد من المعاناة والخسائر البشرية والمادية، التي لحقت بالفلسطينيين، ولأن ذلك من مستلزمات أي مواجهة مع المحتل المسلح، بكافة أنواع الأسلحة. ولذلك نقتصر على تعداد ثمار الانتفاضة الإيجابية العامة، وهي تتوزع على المستويات الأربعة التالية:

1. المستوى الفلسطيني

كان لانتفاضة الأقصى آثار بارزة في الوسط الفلسطيني، بما في ذلك أهالي منطقة فلسطين المحتلة سنة 1948م. وهي كالآتي:

أ. وحّدت الشعب الفلسطيني بكافة فئاته تحت راية واحدة، وخيار واحد، هو خيار المقاومة، وإن كانت الأهداف تختلف من فئة إلى أخرى. فالسلطة ـ مثلاً ـ تسعى لاستغلال الانتفاضة لصالحها في تحريك المفاوضات، والضغط على الإسرائيليين لانتزاع بعض التنازلات، وهذا هو هدف حركة "فتح" من المشاركة في الانتفاضة، بينما تسعى الحركات الإسلامية، كحركة المقاومة الإسلامية، وحركة الجهاد الإسلامي، إلى إزالة الاحتلال من فلسطين كلها، وتعمل على أن تكون هذه الانتفاضة خطوة على الطريق، للوصول إلى تحقيق الهدف بعيد المدى، وهو تحرير كامل الوطن.

ب. أشعلت جذوة الجهاد من جديد، وأبرزت أهمية مميزة للمسجد الأقصى المبارك، وحركت الشعور بواجب الدفاع عنه ونصرته.

أفرزت جيلاً جديداً شجاعاً، يتميز بالجرأة والإقدام، مستعداً لتحمل أعباء المواجهات، ولا يعبأ بالموت، بل يحرص على الشهادة في سبيل الدفاع عن المقدسات الإسلامية (أُنظر جدول شهداء انتفاضة الأقصى المباركة خلال الفترة من 29 سبتمبر 2000 إلى 31 ديسمبر 2001).

ظهرت نماذج من التضحية والصبر والصمود، تعد وقوداً لتأجيج الانتفاضة وإضرام نارها، كما تعد قدوة للأجيال القادمة.

ج. برزت أشكال كثيرة من التكافل والترابط والتعاون بين الفلسطينيين، جسّدت معاني الإيثار والبذل والفداء، في صور ستظل ماثلة في أذهان الفلسطينيين، الذين عايشوها ورأوها بأعينهم.

د. أزالت الحواجز بين الفلسطينيين المقيمين في منطقة 1948، وفلسطينيي الضفة وغزة، وذلك بالاستجابة لنداء النصرة، والمشاركة في فعاليات الانتفاضة ميدانياً خلال الشهر الأول، ثم المشاركة بتقديم المساعدات المادية، فيما بعد.

هـ. أحرجت السّلطة الفلسطينية في موقفها من عملية السّلام، ودفعتها إلى إعادة النظر في كثيرٍ من استحقاقات عملية السلام الأمنية، خاصة بعد تعرض رجالها للهجوم المكثف، من قبل قوات الاحتلال.

و. زادت جرأة الفلسطينيين في مواجهة الإسرائيليين، حيث زال هاجس الخوف، وصار الفتيان يهاجمون ويضربون بعد أن كانوا يطاردون ويضربون، وصار الأهالي يتصدون للمستوطنين عند محاولتهم هدم منزل، أو تجريف أرض، أو قطع أشجار، أو أي عملية تخريب، وغير ذلك.

2. المستوى الإسرائيلي

ظهرت للانتفاضة آثار مهمة على المستوى الإسرائيلي، وأبرزها ما يلي:

أ. ظهور العجز التام عن إيقافها، على الرغم من اتباع وسائل وأساليب كثيرة ومتنوعة. فمن الناحية العسكرية شدد الحصار، واستخدمت الآلة العسكرية بكافة أشكالها، وقصفت المدن بالطائرات والبوارج والدبابات، دون أن يحد ذلك من زخم الانتفاضة. ومن الناحية السياسية، مورست الضغوط، وجرت تحركات مكوكية، وعُقدت مؤتمرات، واجتماعات، واتُخذت قرارات، ولكن دون جدوى.

ب. أضفت جواً من الرعب والهلع على المجتمع الإسرائيلي، بعد استمرارها وتحولها إلى مواجهات مسلحة عنيفة، وبعد حدوث تفجيرات هزّت العمق الإسرائيلي على الرغم من الحواجز الأمنية المكثفة، وأدت إلى بلبلة أمنية انعكست آثارها على كل فرد ينتمي إلى المجتمع الإسرائيلي. فقد عمد كثير من الإسرائيليين إلى السفر للخارج، بحثاً عن الاستقرار والأمان. كما هجر أغلب المستوطنين منازلهم، وتوجهوا إلى تل أبيب والقدس ويافا، وغيرها من المدن في العمق الإسرائيلي. وغير ذلك كثير من مظاهر الرعب والهلع.

وقد ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت في 30/7/1421هـ، في مقالها الافتتاحي تحت عنوان "مصائب بالجملة"، أن أجواء من الحذر والترقب تسود المجتمع الإسرائيلي، بعد تصاعد الانتفاضة الثانية، وقالت: "لقد واجهت إسرائيل في الماضي أياماً عصيبة، وربما أخطر مما هو الآن، لكن يبدو أنها لم تكن صعبة وعصيبة كما هي هذه الأيام، حيث تنهال المصائب على بيت إسرائيل من كل حدب وصوب، مصائب عصيبة ومعقدة، وتنطوي على مؤشرات ودلائل فوضى وفقدان سيطرة ".

ج. أظهرت الخلاف بين عدد من فئات وأحزاب المجتمع الإسرائيلي، وتبادلت الأطراف المختلفة التهم والشتائم، خاصة ما وقع بين حزب العمل، والليكود، وبين اليهود الإصلاحيين والأرثوذكس، حيث ألقى كل طرف باللائمة على الآخر في تفجير الانتفاضة، وعدم معالجتها بالطرق الصحيحة.

د. أثّرت تأثيراً كبيراً على الاقتصاد الإسرائيلي، الذي تعرض لضربة قاصمة بسبب توقف العمال الفلسطينيين عن العمل، وتراجع عملية التصدير، وتعرض المزروعات للحرق وعمليات التخريب، وغير ذلك.

وقد ورد في تقرير نشر في موقع (islamonline.net) تحت عنوان: "الاقتصاد الإسرائيلي يدفع ثمن قتل الفلسطينيين"، ما يوضح حقيقة التأثر الاقتصادي الإسرائيلي بانتفاضة الأقصى: "يتكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر فادحة في كل قطاعاته، مع دخول الانتفاضة الفلسطينية ضد القوات الإسرائيلية شهرها الثاني. فقد قُدرت الخسائر، التي أصيبت بها قطاعات السياحة والبناء والعقارات والزراعة والتجارة والمواصلات والإعلان والترفيه، بحوالي خمسة مليارات "شيكل". ويستعرض تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، أهم الفروع الاقتصادية، التي أصابها الشلل من جراء الأحداث الدامية، التي تشهدها الأراضي المحتلة، قائلاً: إن قطاع السّياحة، وهو أحد أبرز المصادر الحيوية للاقتصاد الإسرائيلي، أصيب بأضرار واسعة جراء "انتفاضة الأقصى". وتحدثت تقديرات صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن خسائر تبلغ ستمائة مليون دولار، سيتكبدها هذا القطاع خلال الربع الأخير من العام الجاري تبعاً لذلك. كما أن أصحاب شركات السّياحة بدءوا في تسريح موظفيهم، بعد إلغاء ثمانين في المائة من الرحلات السياحية الوافدة إلى إسرائيل، خلال هذه الفترة.

وقد أصيب قطاع البناء الإسرائيلي بالشلل جراء الانتفاضة؛ حيث لم تتمكن شركات البناء من تسليم الشقق السكنية، في المواعيد المقررة سلفاً. وتقول صحيفة يديعوت أحرونوت: إنّ المشكلة تعود في أساسها إلى تغيب 25 ألف عامل فلسطيني، بسبب الحصار المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة، على الرغم من الحاجة الماسة لهذا القطاع، إلى عدد كبير من الأيدي العاملة؛ ولذا فقد اضطر بعض المقاولين إلى تشغيل عمال فلسطينيين بصورة غير قانونية، بينما جاء قرار الحكومة الإسرائيلية بعدم السماح باستقدام عمال أجانب، ليضع المقاولين الإسرائيليين أمام طريق مسدود.

أما على صعيد قطاع المواصلات العامة، تراجع عدد المسافرين في خطوط المواصلات بسبب الخوف من تفجيرات محتملة يشنها الفلسطينيون ولوحظ انحسار في الإقبال على شركة "إيغيد"، كبرى شركات المواصلات العامة الإسرائيلية. وقال المتحدث باسم الشركة: تراجع الطلب على خدمات الحافلات، بنسبة 30% منذ بدء الانتفاضة. واضطر ذلك الشركة إلى إيقاف عدد من حافلاتها، خاصة تلك التي تعمل على خطوط الضفة الغربية. ويسري الأمر أيضاً على شركة "دان" للحافلات، التي شهدت، كذلك، تراجعاً في عدد المسافرين على خطوطها، بينما انخفض استخدام القطارات بشكل ملحوظ.

كما تركت انتفاضة الأقصى آثارها على العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى؛ إذ طالت السّوق الإعلاني الإسرائيلي بشكل مباشر، بعد أن تسببت في إلغاء العديد من الحملات الإعلانية، بعد تأثير الانتفاضة على القوة الشرائية، والاكتراث بالإعلانات الترويجية.

فالأسواق خلت من روادها، وتراجعت القوة الشرائية، كما أحجم عدد كبير من أصحاب المحلات التجارية ورجال الأعمال، عن نشر إعلاناتهم التجارية؛ لعدم تماشيها مع الظرف النفسي والاقتصادي العام. كما أكد عدد من أصحاب المحلات التجارية، أن عدد رواد المحلات التجارية انخفض بنسبة 30%، كما نشرت يديعوت أحرونوت.

ويصعب ـ حسب ما أوردت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية ـ تقدير حجم الخسائر الفادحة، التي لحقت بقطاع الزراعة الإسرائيلي، في ظل الظروف الأمنية الراهنة. فهذا القطاع يعتمد في معظم فروعه على الأيدي العاملة الفلسطينية، التي أدى غيابها إلى تأخر موسم قطف الثمار. وفي حالة عدم قطف الثمار في موعدها، فسوف تفسد وهي على الأشجار، وستبلغ خسارة الموسم حوالي أربعين مليون شيكل. ولن ينجو محصول الورود من الضرر، فحسب أقوال مدير عام مجلس منتجي الورود الإسرائيلي، ستبلغ خسارة هذا المحصول، بسبب نقص الأيدي العاملة، حوالي مليون شيكل في اليوم.

كما انعكست الظروف الأمنية الصعبة على الصناعة الترفيهية الإسرائيلية؛ إذ ألغيت الحفلات الغنائية، التي كان من المقرر إقامتها بمناسبة الأعياد اليهودية. أما الحفلات التي أقيمت، فلم تلقَ إقبالاً يذكر؛ مما أثر بالسلب على أرباح منظميها. وانخفض بشدة عدد رواد المسّرح ودور السينما ودور الأوبرا الإسرائيلية، مما انعكس بالسلب على عدد كبير من العاملين في مجال الإنتاج والإخراج.

وقد أبلغ اتحاد الغرف التجارية الإسرائيلية، أن الضرر الناجم عن توقف حركة التبادل التجاري مع مناطق السلطة الفلسطينية، يقدر بحوالي 16 مليون دولار في اليوم. وفي هذا الصدد أوضح نائب مدير عام اتحاد الغرف التجارية، أنه منذ اندلاع الانتفاضة، توقف التجار الفلسطينيون عن تسديد المبالغ المستحقة عليهم للتجار الإسرائيليين، ويبلغ حجمها مئات الملايين من الشواكل. وحسب أقواله، أخذت تلوح في خارج البلاد دلائل تشير إلى الرغبة في وضع شروط صعبة على الاعتمادات المالية، التي تمنح للتجار الإسرائيليين. فعلى سبيل المثال، بدلاً من منح اعتماد مفتوح ـ كما هو متبع من قبل ـ تُطرح الآن مطالب للدفع سلفاً، أو تقديم التزامات مالية مفتوحة، الأمر الذي يزيد من تكاليف الاستيراد. من جانبها أعربت وزارة المالية الإسرائيلية عن معارضتها لدفع تعويضات كبيرة، لجميع القطاعات الاقتصادية، وأكدت أنها ستكتفي بدفع تعويضات محدودة لبعض القطاعات، التي تضررت بشكل ملموس. كما أوضح رئيس اتحاد أرباب الصناعة، أن حجم الخسائر، التي لحقت بالقطاع الصناعي، بلغ 150 مليون شيكل، نتيجة لوقف تصدير المنتجات الصناعية لمناطق السلطة الفلسطينية، ومنع العمال الفلسطينيين من الالتحاق بأماكن عملهم. ودعا الحكومة الإسرائيلية إلى خصم المبالغ المستحقة للتجار الإسرائيليين، والمجمدة لدى المصارف الفلسطينية، من المبالغ التي تعيدها إسرائيل للسلطة الفلسطينية شهريّاً، ودفع المبالغ المخصومة على شكل قروض للمصانع الإسرائيلية. كما قررت وزارة الصناعة والتجارة الإسرائيلية، تشكيل طاقم إعلامي خاص يتولى مهمة إقناع المستثمرين، العدول عن تهريب أموالهم إلى خارج إسرائيل.

هـ. ظهور جبن الجندي الإسرائيلي، وانهيار معنوياته، وتراجع قوة الجيش الإسرائيلي، وقد تمثل ذلك في التهرب من الخدمة العسكرية في المناطق السّاخنة، وبعض حالات الانتحار، والتقهقر أمام راشقي الحجارة من صغار السن، والاستسلام عند الحصار كما حدث للجنود، الذين تسللوا بحافلة إلى منطقة طولكرم، حيث استسلموا للمتظاهرين وخلعوا بزاتهم العسكرية وألقوا أسلحتهم، فتدخلت شرطة السلطة وحمتهم وإعادتهم من حيث أتوا.

وفي هذا المجال قالت صحيفة " ديلي تليغراف" البريطانية: إن الجيش الإسرائيلي يمر بـ "أزمة"، بسبب ما وصفته بـ"التغييرات الراديكالية، التي أصابت المجتمع الإسرائيلي خلال العقدين الماضيين"؛ مما يؤثر على قدراته القتالية. وأضافت الصحيفة البريطانية في عددها الصادر السبت (14/10/2000)- نقلا عن تقرير حكومي إسرائيلي نشر مؤخراً: "إن هناك نقصاً حادّاً في استعدادات القوات الإسرائيلية؛ فالتدريبات متدهورة، والعديد من المدرعات القتالية غير جاهزة للقتال، كما أن الذخيرة في المخازن ـ التي تُستخدم في حالات الطوارئ ـ قد "استُنزفت".

ونقلت الصحيفة عن التقرير الإسرائيلي، أن قادة عسكريين أمثال: أرييل شارون وإيهود باراك، وموشى ديان، ممن ساهموا في تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية خلال فترة الخمسينيات ومنتصف الثمانينيات، قد اتجهوا إلى العمل السياسي مما أحدث فجوة؛ إذ كانت إسرائيل في تلك الفترة تجنّد أناساً ذوي عقلية وطموحات عسكرية؛ الأمر الذي تفتقر إليه الآن. وقال شارلز هيمان -رئيس تحرير مجلة "جينز" الدفاعية-: "إن عجز الجيش الإسرائيلي بدا واضحاً، في محاولاته غير المصقولة في مجاراة أحداث العنف، في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

وأضاف: "إن هناك علامات بأن الجيش الإسرائيلي لم يعد كما كان سابقاً"، مشيراً إلى أن الجيش تحرك سياسيّاً إلى جناح "اليمين"، في حين أنه في سنوات الستينيات والسبعينيات، عندما خاضت إسرائيل حروباً مع جيرانها، كانت النزعة "العلمانية" هي التي تفرض نفسها على غالبية الجنود والمجندات، الذين خدموا في تلك الفترة.

و. تعرض الدولة العبرية للحرج أمام دول العالم، حيث تغيرت الصورة الديمقراطية للدولة العبرية، بعد انفلات الأمور وارتكاب الجنود لعدد من الجرائم الوحشية.

ز. تجرأ بعض الجنود والضباط الإسرائيليين على إعلان رفضهم الخدمة، في الضفة أو القطاع، لأسباب (ضميرية). وقد بلغ عدد هؤلاء 30 جندياً وضابطاً، غالبيتهم من أفراد القوات الاحتياط، وحكم على بعضهم بالسجن، بمدد تراوح بين 28 ـ 56 يوماً.

3. المستوى العربي والإسلامي

نتيجة للمواجهات اليومية والعنيفة في أكناف بيت المقدس، بدأت تظهر لهذه الانتفاضة آثار وثمار مهمة على المستوى العربي والإسلامي، تمثلت في الآتي:

أ. المظاهرات العارمة الضخمة في كل مكان، حيث استجاب الشارع العربي والإسلامي لوقائع الانتفاضة، ونداء النصرة، فهب في مظاهرات ومهرجانات تعبر عن الغضب، وتدعو للجهاد.

ب. المطالبة بفتح الحدود للجهاد، حيث ورد ذلك على لسان بعض قادة الدول العربية والإسلامية، وقادة الأحزاب والجماعات ذات الثقل في كثير من الدول، كما كان من المطالب الرئيسية للمتظاهرين والمتطوعين في كل مكان.

ج. المطالبة بوقف التطبيع مع إسرائيل، وإغلاق المكاتب والسفارات الإسرائيلية، وذلك في دول عدة، وقد استجابت كثير من الحكومات لهذا المطلب، بعد شن الطيران الإسرائيلي هجمات بالصواريخ على مناطق السلطة الفلسطينية. ومن الدول التي أغلقت المكاتب الإسرائيلية: عُمان، وتونس، والمغرب، كما جمدت الأردن إرسال سفيرها إلى إسرائيل، وسحبت مصر سفيرها من تل أبيب.

د. عُقدت عدة مؤتمرات للقمة من أجل بحث الانتفاضة، كان من أبرزها مؤتمر القمة العربي، ومؤتمر القمة الإسلامي (أُنظر ملحق البيان الختامي الصادر عن الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، حول الوضع الخطير في الأراضي الفلسطينية الدوحة - دولة قطر3 ربيع الأول 1422 هـ الموافق 26 مايو 2001م)، وقد أُطلق على مؤتمر القمة الإسلامي "مؤتمر انتفاضة الأقصى"، وتمخض المؤتمران عن قرارات مهمة، كما يلي:

(1) اعتماد المقاومة كسبيل وحيد للتحرير، ووقف المفاوضات بأشكالها كافة، ومواصلة الانتفاضة بفعاليتها المختلفة حتى التحرير الكامل.

(2) التشديد على ضرورة وحدة الشعب الفلسطيني، أيا كانت أماكن وجوده وانتماءاته الفكرية والسياسية والدينية، في طريق الصبر والكفاح والمقاومة.

(3) إزاحة الخلافات العقائدية والدينية والفكرية والسياسية والحزبية جانباً، وتكوين وحدة جهادية نضالية تنخرط عبرها الأمة بفئاتها جميعاً، في المواجهة المصيرية مع المشروع الصهيوني، وفي العمل لتحرير القدس ومسجدها الأقصى ومقدساتها، وإنقاذ الشعب الفلسطيني.

(4) مناشدة الجماهير العربية مواصلة التحرك على قاعدة تأمين الحضور الدائم في الشارع، ويدعو المؤتمرون إلى تنظيم تظاهرات في وقت واحد، في كل البلاد العربية.

(5) تأسيس صندوق موحد لدعم ذوي شهداء الانتفاضة، والجرحى والمعتقلين، كخطوة نحو دعم الشعب الفلسطيني، لتوفير مستلزمات صموده في وجه الاحتلال.

(6) تأسيس صندوق عربي خاص بالعمال الفلسطينيين، الذين تجبرهم ظروفهم المعيشية على العمل داخل إسرائيل، يؤمّن تحريرهم من الحاجة.

(7) السعي إلى توأمة هيئات وجمعيات أهلية، من مختلف الأقطار العربية، مع أخرى مشابهة لها في فلسطين.

(8) تشكيل لجنة من الإعلاميين، من أعضاء المؤتمرين، ودعوتهم إلى وضع خطة إعلامية متكاملة، لفضح الجرائم الصهيونية العنصرية.

(9) دعوة وسائل الإعلام العربية، المكتوبة والمرئية والمسموعة، لا سيما الفضائيات منها، إلى تكثيف برامجها المواكبة للانتفاضة، ووضع برامج وحلقات خاصة موجهة إلى الرأي العام الخارجي، والسعي إلى بثها عبر وسائل إعلام أجنبية، ووقف تعاملها مع الإسرائيليين والتطبيع معهم.

(10) تشكيل لجنة من التربويين، من أعضاء المؤتمرين، للسعي من أجل تنقية مناهج التربية والتعليم مما لحق بها من تشويه، تحت الضغط الأمريكي والإسرائيلي، لتنسجم مع ثقافة التطبيع والاستسلام.

(11) وضع خطة عربية وإسلامية متكاملة، لتطبيق حق العودة للشعب الفلسطيني إلى دياره وممتلكاته، والسعي لمواجهة عربية شاملة لمشاريع التوطين الصهيونية والأمريكية، وتوفير الحقوق المدنية والإنسانية للشعب الفلسطيني، المشرد في بلدان الشتات، بما لا يتعارض مع سيادة هذه البلدان وأنظمتها وقوانينها، حتى تتحقق العودة.

(12) إيلاء عرب فلسطين، الذين بقوا فيها بعد نكبة عام 1948، الاهتمام الكافي بما يدعم حمايتهم، من الهجمة العنصرية الصهيونية المتوحشة، وبما يعزز من علاقتهم بأبناء شعب فلسطين وأمتهم العربية والإسلامية.

(13) إنشاء مركز لتوثيق الجرائم الإسرائيلية ونشرها، إضافة إلى مركز لجمع وثائق عن الممتلكات الفلسطينية والعربية في فلسطين، التي صادرتها الدولة إسرائيل منذ قيامها.

(14) دعم الجهود المبذولة من جانب اللجنة التحضيرية المنبثقة عن المؤتمر القومي- الإسلامي لتأسيس "مؤسسة القدس"، تكون مهمتها توفير متطلبات الدفاع عن القدس وهويتها، ودعم صمود أهلها وحماية مقدساتها.

(15) التوجه إلى الجهات المعنية للقيام بمجموعة مبادرات باسم القدس، كإصدار تقويم للسّنة 2001 عن القدس، يشمل لوحات وأبواب وأحياء وخرائط وأماكن مقدسة، وإصدار مفكرة للسنة 2001 تدون فيها يوميات القدس التاريخية، وإصدار طابع شعبي باسمها في كل الدول العربية.

(16) إنشاء لجنة لإحياء القرار 3379، الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة، والقاضي بالمساواة بين الصهيونية والعنصرية.

(17) تشكيل لجنة من الحقوقيين من أعضاء المؤتمرين، ودعوتهم ـ بالتعاون مع اتحاد المحامين العرب ـ لوضع دراسة قانونية لملاحقة المسؤولين الصهاينة والأمريكيين، أمام المحاكم الدولية، بتهم ارتكاب حروب إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

(18) دعوة المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وسائر المنظمات المحلية المعنية بحقوق الإنسان، لإطلاق حملة تحرك دولية لفضح الممارسات الصهيونية (أُنظر ملحق تقرير لجنة التحقيق بشأن حقوق الإنسان، المنشأة عملاً بقرار اللجنة دإ-5/1 المؤرخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 2000).

(19) تشكيل وفد لمقابلة البابا ومسؤولي الفاتيكان، لاتخاذ مواقف منددة بالجرائم الصهيونية. 

(20) دعوة الأحزاب والنقابات والهيئات الشعبية العربية، إلى إبقاء التحرك الشعبي العربي مستمراً ومتصاعداً، لمواكبة الانتفاضة داخل فلسطين، ولدعم المقاومة في لبنان.

(21) الدعوة إلى عقد مؤتمر عاجل، يضم رؤساء ومسؤولي الاتحادات المهنية العربية والإسلامية، على مستوى الأمة، وعلى مستوى الدول، لوضع خطة تفعيل دور النقابات والاتحادات، على الأصعدة المحلية والقومية والإسلامية (أُنظر ملحق البيان الختامي لمؤتمر دعم الانتفاضة الفلسطينية طهران (25/4/2001))، كما على صعيد علاقاتها الدولية.

(22) دعوة أرباب العمل ورجال الأعمال العرب، إلى تجميد المشروعات المقامة مع نظرائهم الإسرائيليين في إطار المشاركة والتعاون، التي سارعت إليها بعض البلدان العربية المطبعة مع إسرائيل، على حساب العمل العربي المشترك.

(23) تشكيل لجنة من الاقتصاديين العرب، من أعضاء المؤتمرين، ودعوتهم ـ بالتعاون مع اتحاد الاقتصاديين العرب ـ لوضع خطة اقتصادية متكاملة لمواجهة العدو الإسرائيلي، والمتعاملين معه، وكذلك لممارسة الضغط على الولايات المتحدة، التي يزداد حجم ارتباط إدارتها بالكيان الصهيوني.

(24) دعوة الجاليات العربية والإسلامية المقيمة في الخارج، إلى تصعيد تحركاتها التضامنية وتوحيد جهودها، ووضع الخطط الكفيلة بالتأثير على مراكز القرار في البلدان، التي تقيم فيها، ولإضعاف التأثير الصهيوني عليها.

(25) تفعيل دور الهيئات الشعبية، لمقاومة حركة التطبيع الموجودة في عدد من الدول العربية، والسعي لتشكيلها في البلدان العربية، والدول الأخرى.

(26) السعي على مختلف المستويات، من أجل وفاء القمم العربية بالتزاماتها المالية تجاه لبنان، والمقررة في قمم عربية سابقة.

(27) السعي لتحقيق تفاهم استراتيجي سوري - عراقي - إيراني، يسهم في تحصين الجبهة الشرقية، ويسمح لقوات إيرانية بالمرور عبر الأراضي العراقية إلى سورية ولبنان، في حال تعرضها لاعتداء، على قاعدة الالتزام الإيراني باعتبار أي اعتداء على سورية ولبنان، اعتداء مباشراً على إيران.

(28) تشكيل لجنة متابعة لتنفيذ المقترحات، يتولى تشكيلها المنسق العام للمؤتمر القومي - الإسلامي والأمين العام للمؤتمر القومي العربي، وتشكيل لجان فرعية لتلك اللجنة، في كل قطر عربي.

(29) المقاطعة الاقتصادية للبضائع الإسرائيلية والأمريكية. وهذه آتت أكلها، بعد صدور فتاوى من العلماء تحرم شراء البضائع الإسرائيلية والأمريكية، لوقوف أمريكا إلى جانب إسرائيلي، وتأييدها لها في سياستها في الأرض المحتلة.

وقد استجابت الدول العربية والإسلامية، وكذلك المسلمون المقيمون في الدول الغربية، لنداء المقاطعة، مما أدى إلى تعرض الشركات الإسرائيلية والأمريكية إلى خسائر فادحة.

(30) عمليات التسلل للمشاركة في فعاليات الانتفاضة، فقد رصدت عدة عمليات تسلل من الأردن وسورية ولبنان، كعملية هاني البوريني، الذي تسلل عبر نهر الأردن، واشتبك مع جنود الاحتلال، وأفلت من قبضتهم.

(31) حملة التبرعات الضخمة، التي بادرت بها الحكومات والشعوب العربية والإسلامية لدعم انتفاضة الأقصى، ومن ذلك مبادرة خادم الحرمين الشريفين في المملكة العربية السعودية إلى التبرع بمبلغ 30 مليون ريال، وتبرع ولي عهده الأمير عبد الله بمبلغ 10 ملايين ريال، مما دفع الأمراء وعامة الشعب السعودي إلى التسابق نحو صناديق التبرع، شعوراً بالواجب لدعم الانتفاضة ونصرتها، في صور رائعة من التكافل والتراحم، وإيصال التبرعات إلى مستحقيها، من أبناء فلسطين مباشرة.

كما حدث ذلك أيضاً في الكويت، والإمارات، ومصر، والأردن، واليمن، وسورية، ولبنان، وغيرها من دول العالم العربي والإسلامي.

وكانت مشاهد التبرعات الشعبية، التي قدمها الإخوة العرب والمسلمون في السعودية والإمارات العربية، وما قدموه من أموال وحلي وعقارات، على شاشات الفضائيات، مشاهد تبرز إلى حد وصلت المؤازرة والدعم، لهذه الانتفاضة.

(32) استقبال الجرحى ومعالجتهم في مستشفيات عدد من الدول العربية والإسلامية والغربية، مثل السعودية، والإمارات، ومصر، والأردن، والعراق، وتونس، وإيران، والنمسا، وألمانيا، وغيرها. وهؤلاء الجرحى أعطوا صورة رائعة في الصبر والثبات، ونقلوا بعض أجواء الانتفاضة، إلى الدول العربية والإسلامية والغربية.

(33) حرب الإنترنت، حيث شنت عدة جهات عربية وإسلامية حملة شعواء على المواقع الإسرائيلية على الشبكة الدولية للمعلومات، دمّروها نصرة لشعب الانتفاضة.

(34) تعاطف إعلامي شامل، وتمثل في نقل أخبار الانتفاضة عبر الفضائيات، والإذاعات، والصحف، أولاً بأول.

4. المستوى العالمي

أ. أجبرت الانتفاضة دول العالم غير الإسلامية، على الاهتمام بمجريات الأحداث المشتعلة في فلسطين المحتلة، وجعلت الإعلام ينقل صور المواجهات اليومية، ويحلل الأحداث، وينتقد جرائم الاحتلال.

ب. غيّرت الصورة الديمقراطية، في أذهان الغربيين، حول الدولة الإسرائيلية، حيث بدت إسرائيل عدوانية تنتهك حقوق الإنسان بشكل بشع، خاصة بعد انتشار قصص مقتل الأطفال مثل "محمد الدرة"، و"سارة"، و"سامي طبنجة"، وغيرهم.

ج. نجحت في كسب تعاطف الرأي العام العالمي لصالح الفلسطينيين، ولو بشكل محدود، وتمثل ذلك في إرسال مساعدات عينية، واستقبال بعض الجرحى، خاصة في النمسا وألمانيا، وانعكس أثر هذا التعاطف على اليهود في الخارج، حيث تعرضت مؤسساتهم ومصالحهم للمضايقات والانتقاد، من قبل جماعات غير فلسطينية وغير مسلمة، مما يؤكد هذا التعاطف.

د. امتناع السّياح الغربيين عن التوجه لإسرائيل، وذلك إنكاراً لما يحدث في الكيان الإسرائيلي من جرائم، وخوفاً من التعرض للأذى على يد الإسرائيليين، أو الفلسطينيين.

هـ. ومن أهم آثار الانتفاضة، أن القيادة الأمريكية الجديدة، المتمثلة بالرئيس المنتخب جورج دبليو بوش، والتي صرفت النظر عن قضية الشرق الأوسط عدة أشهر من بداية عهدها الجديد، عادت إلى الاهتمام بالقضية، فقرر الرئيس جورج بوش في أواسط شهر أبريل إجراء "تغيير تكتيكي في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، وأنه سوف يعين مبعوثاً خاصاً لعملية السلام، في الشرق الأوسط".

وفي أواخر أبريل، وضعت "لجنة تقصي الحقائق"، التي يرأسها جورج ميتشيل، تقريرها. وكان الرئيس الأمريكي السابق، بيل كلينتون، قد أعلن في 17 أكتوبر 2000، في مؤتمر شرم الشيخ، تشكيل هذه اللجنة لتقصي الحقائق، وشكلها في 7 نوفمبر 2000، برئاسة جورج ميتشل، وعضوية كل من سليمان ديميريل، وتوربيان ياغلاند، ووارن رودمان، وخافيير سولانا، فزارت اللجنة المنطقة، والتقت الأطراف المعنية، ووضعت تقريرها وتوصياتها، التي تنص على الالتزام بالاتفاقيات السابقة، واستئناف التعاون الأمني، وتجميد الاستيطان، ورفع الحصار، وأن ينظر الجيش الإسرائيلي في الانسحاب إلى مواقعه قبل 28 سبتمبر 2000، وبذل الجهود للحيلولة دون القيام بعمليات إرهابية، واعتقال منفذيها ومعاقبتهم، ووقف العنف (أُنظر ملحق تقرير لجنة تقصي الحقائق (تقرير جورج ميتشل)).

وقد رُفع هذا التقرير إلى الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش، في 30 أبريل 2001، وتبنته واشنطن في أواسط شهر مايو، ووصفه وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول، بأنه "جيد جداً، وربما يوفر لنا منطلقاً لبدء مبادرة جديدة للتحرك والعمل لإحلال السلام في المنطقة". وأعلن أن "إدارة الرئيس جورج بوش ستعلن التقرير بعد تلقي تعليقات وملاحظات الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي ... وستعين مبعوثاً خاصاً للمنطقة".

وفي 21 مايو 2001، كلف وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول، مساعده الجديد، وليم بيرنز، العمل على تطبيق توصيات اللجنة.

وفي 6 يونيه 2001، "بدأ مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية، جورج تينيت، جولته في عواصم المنطقة، سعياً لتثبيت قرار وقف إطلاق النار، الذي أعلنه الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، بعد مقتل عشرين إسرائيلياً في عملية استشهادية في ملهى ليلي، في تل أبيب، ليلة 2 يونيه 2001، ولإقناع السلطة الفلسطينية باعتقال قائمة بأسماء 300 ناشط من حماس والجهاد وفتح، ووقف التحريض".

وعقد جورج تينيت اجتماعاً أمنياً، في 8 يونيه في رام الله، مع الفلسطينيين والإسرائيلين، وقدم لهما فيه مقترحاته لوقف إطلاق النار، تمهيداً لتطبيق توصيات ميتشل، وسميت هذه المقترحات "وثيقة تينيت" (أُنظر ملحق نص وثيقة تينيت). وأعلن الطرفان بعد يومين قبولهما لـ"وثيقة تينيت"، مع وضع كل منهما شروطاً لتطبيقها، "ومن شروط إسرائيل أن يشمل وقف إطلاق النار قذف الزجاجات الحارقة والفارغة، والحجارة، والسلاح الأبيض، وأن يشمل كل المناطق أ، ب، ج، كما اشترط الفلسطينيون أن تتقلص فترة ما قبل استئناف المفاوضات السياسية، من ستة أسابيع إلى أسبوع واحد، وأن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى مواقعها، التي كانت فيها قبل 28 سبتمبر 2000، قبل 48 ساعة من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وأن تعتقل إسرائيل المستوطنين، الذين ارتكبوا جرائم ضد الفلسطينيين، جنباً إلى جنب مع اعتقال منفذي العمليات الفلسطينية، وأن تلتزم السلطة بوقف إطلاق النار في منطقة (أ)، الخاضعة لها أمنياً".

وكانت ردود الفعل على هذه الوثيقة عديدة لدى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وعلى المستويين الرسمي والشعبي (أُنظر ملحق ردود الأفعال على وثيقة تينيت).

وكذلك تحرك الاتحاد الأوروبي، الذي كان ممثله الأعلى لسياسة الأمن والتعاون، خافيير سولانا، عضواً في لجنة ميتشيل، فعقد رؤساء دول هذا الاتحاد اجتماعاً لهم في أواسط شهر يونيه 2001، وأصدروا بياناً ختامياً دعموا فيه توصيات لجنة شرم الشيخ، ودعوا إلى رفع الحصار وتجميد النشاطات الاستيطانية (أُنظر ملحق البيان الختامي لقمة رؤساء دول الاتحاد الأوروبي جوتبرغ 15-16 يونيه 2001).

وعلى الرغم من كل هذه المحاولات الأمنية، استمر العدوان الإسرائيلي بالرشاشات والدبابات والطائرات، والاغتيالات، وهدم البيوت، وتجريف المزروعات، وإحكام الحصار...، وكذلك استمرت الردود على هذه الاعتداءات بقذائف الهاون، والكمائن، والتفجيرات، والعمليات الاستشهادية.